نظام معلوماتي موحد للصحة بالمغرب يثير الجدل.. مخاوف من احتكار رقمي وهدر استثمارات بملايين الدراهم

نظام معلوماتي موحد للصحة بالمغرب يثير الجدل.. مخاوف من احتكار رقمي وهدر استثمارات بملايين الدراهم

- ‎فيإقتصاد, في الواجهة
90
0

هيئة التحرير

شهد مشروع اعتماد نظام معلوماتي موحد في قطاع الصحة بالمغرب جدلاً متزايداً، بعدما تحول من ورش إصلاحي يُفترض أن يعزز الحكامة الرقمية ويرفع من نجاعة الخدمات الصحية، إلى موضوع يثير تساؤلات واسعة بشأن تأثيره المحتمل على المنافسة والمال العام والسيادة الرقمية الوطنية.

ورغم تقديم المشروع رسمياً باعتباره خطوة نحو تحديث المنظومة الصحية وتوحيد بنياتها المعلوماتية، فإن عدداً من الفاعلين المهنيين والمتتبعين يحذرون من أن يؤدي هذا التوجه إلى خلق وضعية شبه احتكارية داخل سوق استراتيجي، من خلال تركيز التحكم في الأنظمة المعلوماتية الصحية بيد فاعل واحد أو دائرة محدودة من الشركات، بما قد يقصي مقاولات راكمت خبرة واستثمارات مهمة خلال السنوات الماضية.

وتتجاوز أهمية هذا المشروع الجانب التقني المرتبط بالبرمجيات والمنصات الرقمية، ليشمل التحكم في البنية المعلوماتية الوطنية الخاصة بالمعطيات الصحية للمواطنين، وما يرتبط بذلك من رهانات تتعلق بالسيادة الرقمية، والقدرة على تطوير الأنظمة مستقبلاً، والتحكم في الكلفة والتفاوض مع المزودين.

ويؤكد متابعون أن التوجه العالمي في مجال التحول الرقمي الصحي أصبح يعتمد بشكل متزايد على التشغيل البيني والمعايير المفتوحة وتعدد الفاعلين، بما يسمح بضمان المرونة والابتكار وتفادي الارتهان التقني. غير أن المشروع المطروح حالياً، بحسب هؤلاء، يسير في اتجاه مغاير يقوم على منطق “نظام واحد وسوق مغلقة”، وهو ما قد يحد من التنافسية ويضعف دينامية التطوير.

ويثير المشروع كذلك مخاوف مرتبطة بمصير الاستثمارات العمومية التي ضُخت خلال السنوات الماضية في تطوير الأنظمة المعلوماتية الصحية. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الدولة استثمرت، منذ سنة 2019، ما يفوق 204 ملايين درهم في عدد من المنصات والأنظمة الرقمية، من بينها نظام “SIVSA” بما يزيد عن 101 مليون درهم، و”ENOVA” بحوالي 60 مليون درهم، و”BELMED” بما يقارب 24 مليون درهم، إضافة إلى “DEDALUS” بأكثر من 17 مليون درهم.

ولا تقتصر هذه الاستثمارات على اقتناء تطبيقات معلوماتية فقط، بل تشمل مراكز بيانات، وحلولاً تشغيلية متكاملة، وبرامج للتكوين، وربط المؤسسات الصحية تدريجياً بالبنية الرقمية الوطنية. غير أن خيار الانتقال إلى “نظام موحد” قد يعني عملياً التخلي عن جزء مهم من هذه الأنظمة وإعادة بناء منظومة جديدة من الصفر، وهو ما قد يحول استثمارات تقدر بأكثر من 143 مليون درهم إلى ما يعرف اقتصادياً بـ”التكاليف الغارقة”، أي نفقات عمومية يصعب استرجاع قيمتها الاقتصادية.

ويطرح هذا الوضع تساؤلات متزايدة حول طبيعة المشروع وأهدافه الحقيقية، وما إذا كان يتعلق فعلاً بإصلاح رقمي شامل يخدم المنظومة الصحية، أم بإعادة تشكيل سوق الأنظمة المعلوماتية الصحية تحت غطاء التحديث والرقمنة.

ويرى متابعون أن مشاريع بهذا الحجم تستوجب وضوحاً كاملاً في الرؤية التقنية، ودفاتر تحملات دقيقة، وآليات شفافة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين. غير أن عدداً من المهنيين يعتبرون أن الغموض الذي يحيط بالتصور النهائي للمشروع، وغياب معايير واضحة للانتقال من الأنظمة الحالية، وعدم وضوح شروط المشاركة المستقبلية، كلها عوامل تثير مخاوف من توجيه الطلب العمومي بشكل غير مباشر نحو فاعلين محددين.

كما يحذر خبراء من مخاطر فرض نظام موحد على المدى الطويل، بالنظر إلى ما قد يخلقه من تبعية تكنولوجية، وارتفاع محتمل في تكاليف الصيانة والتطوير، وتراجع القدرة التفاوضية للدولة، فضلاً عن إضعاف الابتكار بسبب غياب المنافسة. وتشير تجارب دولية في مشاريع رقمية مماثلة إلى أن احتكار الأسواق الرقمية غالباً ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وبطء عمليات التحديث وتراجع جودة الخدمات.

وفي خضم هذا الجدل، تتزايد الدعوات المطالبة بتدخل مجلس المنافسة لتقييم المشروع من زاوية احترام قواعد المنافسة الحرة، وتأثيره المحتمل على بنية السوق والمالية العمومية، ومدى انسجامه مع مبادئ الحكامة الرقمية الحديثة.

ويؤكد متابعون أن الرهان الأساسي لا يكمن فقط في تسريع رقمنة القطاع الصحي، بل في بناء نموذج رقمي وطني مفتوح ومتعدد الفاعلين، قائم على التشغيل البيني والمعايير المفتوحة، بما يضمن حماية المال العام وتحفيز الابتكار والحفاظ على التنافسية.

ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل يشكل مشروع النظام المعلوماتي الموحد خطوة فعلية نحو إصلاح رقمي متوازن يخدم المنظومة الصحية المغربية، أم أنه يمهد لاحتكار مقنّع قد تتحمل الدولة والمواطن كلفته لسنوات

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

القضاء بمراكش يُدين ناشطة فايسبوكية بعد اتهامها للصحفي حسن عبيدة.. وتعويض مدني بـ60 ألف درهم

هيئة التحرير أصدرت المحكمة الابتدائية بمدينة مراكش، حكماً