الذكاء الاصطناعي؛ بين الاتباع والإبداع.

الذكاء الاصطناعي؛ بين الاتباع والإبداع.

- ‎فيرأي
88
التعليقات على الذكاء الاصطناعي؛ بين الاتباع والإبداع. مغلقة

سيدي محمد الناصري.

إن هذا الموضوع، وكما كان يقفز الى ذهننا مرارا وتكررا ونحن نتتبع هذا الهجوم الشرس للذكاء الاصطناعي، أصبح من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الفكري المعاصر، حيث يضعنا هذا التدفق التقني المبهر أمام مراجعة جدرية لمفاهيم أصيلة مثل عبقرية الآلة وأصالة مبدعها. فهل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي هو مجرد صدى مكرر لخوارزميات إحصائية، أم أنه يمتلك القدرة على تجاوز الاتباع النمطي نحو إبداع حقيقي يضاهي العقل البشري؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار المنتَج الآلي إبداعا مستقلا؟ وهل تكمن قيمة الإبداع في النتيجة النهائية، أو في الوعي والقصدية التي تسبق الفعل الإبداعي؟.
إن الذكاء الاصطناعي، الى حدود كتابتنا لهذا المقال، وإن بدا مبدعا في ظاهره، فإنه يظل حبيس الاتباع الممنهج للبيانات الضخمة التي غُذي بها من طرف الإنسان. إننا عند تأملنا طبيعة عمل الأنظمة الذكية، نجد أنها تقوم في جوهرها على مفهوم المحاكاة لا أكثر؛ فهي لا تخلق شيئا من العدم، بل تعيد تدوير الأنماط اللغوية والبصرية الموجودة في خزان الذاكرة البشرية الرقمية. إن هذا النوع من العمل يندرج بوضوح تحت ما اصطلحنا عليه بالاتباع، ولكنه اتباع ذكي يتجاوز النسخ الحرفي إلى التأليف أو التوليف البديع.
وإذ لا ننكر أننا استنجدنا بالذكاء الاصطناعي في تطوير بعض قضايا هذه المقالة، نؤكد أن الذكاء الاصطناعي يطبق نظرية “النظم” في شكلها الكلاسيكي، لكن بآليات خوارزمية؛ فهو يفكك العلاقات بين المفردات أو العناصر الجمالية، ويعيد تركيبها وفق احتمالات إحصائية حديثة معقدة. وهذا ما يطرأ مع الإنسان وفق نظرية الحوارية أو التناص؛ فالإبداع البشري نفسه لم ولن يخلو من الاتباع، كون الشاعر أو الفنان لا يبدع إلا بعد هضم تراث من سبقوه. والفرق، ههنا، بينه وبين الآلة يبرز في الروح والوجدان؛ فالآلة تفتقر إلى عقل وعاطفة. قد تبرع الآلة في إنتاج لوحة بارعة أو قصيدة محكمة أو بحث علمي رصين، لكن دون أن تعي دلالات الجمال والحس المرهف، أو ألم المخاض ومعاناة الولادة الإبداعية، لذلك فما نراه من إبداع آلي، وهذه نتيجة لا تتطلب اجتهادا كبيرا، هو في الحقيقة إبداع وظيفي، بارد، جاف، يحقق الغاية المطلوبة بالأمر، دون أن يعيش التجربة، مُرة كانت أم حلوة، وإن كان ملهمنا يستحضر الذات في إبداء الرأي وإعطاء النصيحة.
إن ما يُقلق اليوم، أن الباحثين أجمعوا كون الذكاء الاصطناعي قد انتقل من مرحلة تنفيذ الأوامر إلى مرحلة اقتراح الحلول في مجالات مثل البرمجة، والبحث العلمي، وحتى الفنون الرقمية، حيث أضحى الذكاء الاصطناعي، يأخذ المبادرة، يقدم تركيبات غير مألوفة للمخيلة البشرية، مما يجعله شريكاً في العملية الإبداعية وليس مجرد أداة اتباعية. إنه يمثل ذكاء البشرية جمعاء مدعوما بخوارزميات السرعة والدقة، مما يفرض تساؤلا حول مفهوم ذات الآلة المبدعة: هل الإبداع صفة للآلة أو صفة لمبدعها الإنسان؟. وهنا تكمن الطامة الكبرى، هل سنجدنا في المستقبل البعيد/القريب، أظن، نعيش ما طرحته وتطرحه العديد من أفلام الخيال العلمي الأمريكية؟ حيث نرى (على عنيك يا بن عدى) الآلة تطارد الإنسان، التابع يلاحق المبدع، حين ينتفض الذكاء الاصطناعي بعد أن استجمع قواه وأكمل نموه، ليحكم قيضته على العالم، ويبسط سيطرته على عقل بشري عُطلت خلاياه وتوقفت آلته بفعل عطايا وخدمات، لا حصر لها، لآلة ماكرة كان الإنسان هو مبدعها.
أما في المرحلة الراهنة، الى حين تأكيد العكس، يظل الذكاء الاصطناعي متأرجحا بين إبداع بارع يتخفى في زي الاتباع، وبين اتباع انسيابي يوهم بسيطرة الإنسان المبدع؛ فإذا استطاعت، فرضا، الآلة مستقبلا أن تطور وعيها الذاتي وإدراكها الشعوري، فهل ستظل حدودُ الفضل في الإبداع تعود للمبرمج البشري، أم سنضطر للاعتراف بالآلة، كطرف، كمنافس فوق العادة، كـذات مبدعة مستقلة لها حقوقها الفكرية والأخلاقية؟.

قهوة أول الصباح.

You may also like

بحضور فؤاد عالي الهمة وناصر بوريطة.. واشنطن تدشّن قنصليتها الجديدة بالدار البيضاء وتؤكد دعمها لمغربية الصحراء

هيئة التحرير أشرف كريستوفر لاندو، نائب وزير الخارجية