المغرب الذي يضحك على الجملة… وينسى الجرح

المغرب الذي يضحك على الجملة… وينسى الجرح

- ‎فيرأي, في الواجهة
5075
0

نورالدين بازين

في هذا البلد، يمكن أن يمر قرار ثقيل مثل قطار ليلي بلا ضجيج، لكن كلمة متعثرة كافية لكي تُشعل البلاد من طنجة إلى الكويرة.

ليس لأن المغاربة صاروا حراساً للغة العربية، بل لأننا دخلنا زمناً جديداً: زمن الفرجة السياسية.

وفي هذ البلد، لا شيء يثير الحماس الجماعي مثل زلة لسان لمسؤول عمومي. قد يمر قرار إداري ضخم بصمت، وقد تُطوى ملفات اجتماعية معقدة دون نقاش حقيقي، لكن جملة مرتبكة، أو تركيب لغوي مكسور، كفيل بأن يتحول إلى “تراند” وطني، وإلى محكمة رقمية مفتوحة لا ترحم.

محد سعد برادة قال جملة مرتبكة حول “النمذجة”، فاشتعلت مواقع التواصل بالسخرية.

ضحك الناس، اقتطعوا الفيديو، أعادوا تركيبه، وأصبح الرجل مادة خفيفة للاستهلاك اليومي.

لكن وسط هذا الضحك الجماعي، ضاع السؤال الحقيقي:
هل وظيفة وزير التعليم أن يكون سيبويه… أم أن يُحرّك ملفات ظلت نائمة سنوات؟
هناك نوع من الظلم الهادئ الذي يُمارس اليوم داخل النقاش العمومي.
ظلم لا يشبه القمع، بل يشبه التنمر الجماعي الأنيق.
أن تختزل مسؤولاً في تعثر لغوي، وتمحو كل ما عداه.
الرجل نفسه لم يدّع البلاغة. لم يلبس قناع الفصاحة الكاذبة. قال أكثر من مرة إنه لا يجيد التعبير بالعربية كما ينبغي. وكان ممكناً أن يُحسب له هذا الصدق الإنساني، لولا أن زمننا لا يحب الصراحة؛ زمننا يحب الاصطياد.

المثير في الأمر أن كثيرين ممن انشغلوا بالسخرية من الجملة، تعاملوا ببرود مع ملف ترقية 21465 أستاذة وأستاذا إلى خارج السلم لأول مرة بسلكي الابتدائي والإعدادي، بينهم من غادروا إلى دار البقاء قبل أن يعيشوا لحظة إنصافهم الإداري التي انتظروها لسنوات طويلة. كما يرتقب أن يتم قريباً نشر لوائح الترقية إلى خارج السلم الخاصة بأساتذة وأستاذات التعليم الثانوي، في خطوة يعتبرها عدد من المتتبعين من الملفات الاجتماعية الثقيلة التي ظلت عالقة لسنوات.

لا ضجة.
لا “تراند”.
لا نوبات تحليل هستيرية.
كأن الإنجاز الإداري لا يثير الانتباه بقدر ما تثيره زلة لسان عابرة.
نحن أمام مشكلة أعمق من وزير.
أمام مزاج جماعي صار يميل إلى تحويل السياسة إلى برنامج ترفيهي.
المهم أن يكون المسؤول “كاريزماتيك”، يتقن الخطابة، يجيد الوقوف أمام الكاميرا، حتى ولو لم ينجز شيئاً.
أما الذي يشتغل بصمت ويتعثر في التعبير، فيُعامل كأنه ارتكب جريمة لغوية.
هذا هو “البؤس اللذيذ” الذي تحدث عنه الصحفي يونس دافقير.
أن نستمتع جماعياً بتضخيم التفاهة، ونشعر بلذة غامضة ونحن نهرب من النقاش الحقيقي.
لأن النقاش الحقيقي متعب.
يتطلب قراءة الأرقام، وفهم الملفات، وتتبع الإصلاحات.
أما السخرية فهي سهلة، مجانية، وسريعة التداول.
هكذا يتحول الرأي العام شيئاً فشيئاً إلى آلة ضخمة لإنتاج الضجيج.
نترك أعطاب المدرسة، والهدر، والاكتظاظ، ونركض خلف جملة مكسورة نحوياً كأنها الكارثة الوطنية الكبرى.

ربما لم تكن المشكلة في الوزير وهو يبحث عن الكلمات، بل في مجتمع كامل توقف عن البحث عن المعنى، و ليست في “النمذجة”، بل في الطريقة التي نمذجنا بها نحن نقاشنا العمومي نفسه.

فالسياسة ليست مباراة في البلاغة. الوزير ليس أستاذا في النحو ولا منشطا تلفزيا. المنصب السياسي، في جوهره، مرتبط بالقدرة على التدبير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. أما تحويل النقاش العمومي إلى ساحة للسخرية اللغوية، فهو نوع من تهريب النقاش الحقيقي نحو ملعب اللطم والعويل.

المشكل في جزء من نقاشاتنا العمومية أننا نمتلك موهبة خارقة في “الزوم” على العطب الصغير، مقابل عمى شبه كامل تجاه الصورة الكبرى. نرى الشق اللغوي في الجدار، ولا نرى الجدار نفسه وهو يتصدع منذ سنوات.

لهذا تبدو حالة الوزير برادة مجرد نموذج صغير لمنهجية أوسع: مجتمع يستهلك السخرية بسرعة، ويستهلك التفكير ببطء. مجتمع قد يغفر الفشل إذا كان صاحبه فصيحا، لكنه لا يغفر التلعثم حتى لو كان مصحوبا بقرار مفيد.

 

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

جمعية أسود مراكش تتألق في بطولة المغرب لـ“جياو لونغ فوداو” باليوسفية وتحصد 29 ميدالية

خديجة العروسي احتضنت مدينة اليوسفية فعاليات النسخة الحادية