ســـرديـــة كرة القدم ..الحق في الفـــرح

ســـرديـــة كرة القدم ..الحق في الفـــرح

- ‎فيرأي
104
التعليقات على ســـرديـــة كرة القدم ..الحق في الفـــرح مغلقة

ابريك أمزون *

في زمن تتكاثف فيه الانكسارات ، ويضيق فيه الأفق ، تخرُج كرة القدم من هامش اللّعب إلى قلب المعنى ، فتغذو مرآة للذات الجماعية، ومُتَنَــفّــسا للرّوح العامّة .هي ليست جَــرْيا خلف الكرة ، بل ركْضا جماعيّا نحو لَحْظة فَــــــرح مُستحقّ، تُـرَمّم فيها الشّـــروخ . ويستعيد فيها الجميع نبرة الــ” نحن ” . وحين يلتقي المغاربة حول المستطيل الأخضر، تتــوحّد الأصوات وتختلف النّبَضات . لكنّ القلبَ واحــد ، والانتظارَ واحــد ، والحلمَ واحــد . هناك في هدير المدرّجات وضجيج الشّوارع تتشكّــل الأنا الجماعيّة لا بوصفها فكرة مجرّدة ؛ بل كإحساس حيّ ، يُعلِــن أنّ للفــرح حقّـا ، وللانتماء معنى ، وللجماعة ذاكِــرة لا تُهزم بسهولة. وفي هذا الأفق الرمزيّ ، حيث تتقاطع كرة القدم بالهويّة ، وينكشف الفــرح بوصفه حقّـا جماعيّا، يمكن قراءة حضور الأنا الجماعيّة المغربيّة في علاقتها بســرديّة الكــرة ، لا كلعبة فحسب، بل كفضاء لإعادة تعريف الذّات المشتــركة .
وبطبيعة الحال؛ كرة القدم في المغرب ليست مجرّد ممارسة رياضيّة أو طقس ترفيهيّ ، بل لحظة كثيفة تتقاطـــع فيها الهويّة بالوجــدان ، ويتحوّل فيها الانتصـر إلى لغــة تعبير عن الأنا الجماعيّة المغربيّة . وفي هذه اللّحظــة بالذّات ،
لا يعود الفرحُ تفصيلا عابرا ، بل يصبحُ حقّــا رمزيّا ، تطالب به جماعة اعتادت التّفــــاوضَ اليوميّ مع القسْــــوة والهشاشة.
لذا يبدو مفيدا القول بأنّ الـ “نحن” المغربي يتأسّــس على التّعدد والمرونة : تعدّد لغويّ وثقافيّ وجهويّ ، ومرونة في التكيّــف مع التّحولات والضّغوط ، غير انّ هذا التّعدد في الحياة اليوميّة غالبا ما يظهر في شكل تفاوتات اجتماعيّة واختلالات بنيويّة . هنا تتدخّــل كــرة القـــدم بوصفها آلية توحيد رمزيـّة تعيد إنتاج الـ”نحن” في لحظــة صفاء نــــادرة : جمهور واحد ، أمل واحد وانتظار مشترك .
وحين يلعب المنتخب الوطني، تُعَلّقُ الاختلافات مؤقّتا، لمغاربة جميعهم من البدو والحضر المقيمون والمهاجرون، ذكورا وإناثا ، يلتقون حول الرّاية نفسها ، والهتاف نفسه. لا لأنّهم فقدوا اختلافاتهم ؛ بل لأنهم وجدوا لحظة تتجاوزها .في هذه اللّحظة ، تتجسّــد الأنا الجماعيّة المغربيّة لا كخطاب نظريّ ، بل كتجــربة مُعاشـــة ، محسوســة في الجسد والصّوت والدّمعــة والابتسامــة .
سرديّــة كرة القدم ، تمنح المغاربة مالا تمنحــه لهــم مجالات أخرى : احتضان الفرد ، الاعتراف بالقدرة ، الاعتراف بالجدارة ، وبالحقّ في الفرح ! لذلك لا يُقْرَأُ الفوز الكرويّ باعتباره نتيجة رياضيّة فقط ، بل يُحمّلُ بدلالات أعمـــق : استعادة للكرامة الرمزيّة ، وكسر لصورة النّــقـص ، وإعــــلان عن حضور مغربيّ واثق في الفضاءيـــن الإقليمــــيّ والعـــالميّ . الفرح هنا ليس استهـــلاكا عاطفيّــا عابرا ؛ بل إعــادة تملّــك للذّات . وحقيقة ؛ الفرحُ المغربيّ يتميّـز بطابعه الجماعيّ الصّريــح : البيوت والشّوارع تتحوّل إلى فضاء احتفال، والهتاف والزّغـــاريد إلى لغة جامعة ، والجسد إلى أداة تعبير جماعيّ . الفـــرح هنا لا يدار من فوق ، ولا يحتاج إلى وساطة المؤسّسات ، بل ينبُع فِطْرةً من القاعدة : البيت والدّرب والحومة والمقهى والسّاحة العموميّة والمدرّجات، إنّــه فــرح يصنع معناه بنفسه ، ويعيد ما تقطّع بين الفــــرد والجماعة في الحياة اليوميّة .الحــقّ في الفــرح ، لا يعني الهروب من الواقع ،بل تعليقا مؤقّتا لقسوته ، هو شكل من أشكال المقاومة الناّعمة ، يُواجه القلق بالهتاف ، والإحباط بالأغنيّة ، والانسداد بالاحتضان الجماعيّ، والإعلان بأن الحياة ماتزال تتحمّل الابتســـام .
وعبر هذه الأطوار التي تُحقّــق الفرجة والهدف ، تكشف كرة القدم عن عمق الأنا الجماعيّة المغربيّة ، لا بوصفها هوية صلبة ومكتملة ، بل باعتبارها جسدا حيّا يتغذّى من اللّحظات المشتركة ، وحين يفرح المغاربة فإنّهم لا يحتفلون بهدف أو انتصار فقط ؛ بل يِؤكّــدون – بصيغة الجمع – حقّــهم الإنسانيّ العميق في الفرح ، وحقّــهم في أن يقولوا : نحن هنـــا.. ونستحـــقّ هذه اللّحظـــة !
لا تنتهي الحِكاية عند صافِـــرًة الحَكَــم ، ولايُختزَلُ الحُلـــم في تأهّل عابر ، بل يمتدّ المعنى إلى ما بعد النّتيجة وما وراء البطولة ، فالتّـــأهّـــل إلى العالميّــة ليس مجرّد عبور رياضيّ ، إنّــه اختبار للثّــقة وللنّــيـة ، إنّــه امتحان للأنـــا الجماعيّــة وهي تواجه العالم بوجهها الكامل .هناك في المــدى المفتـــوح يصبح الفــــرح وَعْدًا لا ذكــرى ، وتغدو الكرة رسالة تقول إن الطّــريق مازال ممكنـــا ، وأنّ الحلمَ حيــن يُحمَلُ جماعيّا لا يشيــخ ولا ينكسِـــر ..هي بداية لا خــاتمة ، وأفقٌ يُفْتَح لا باب يُغْـلَـق، لأنّ من تعــلّم أن يفرح معــًا ، قــادر أن يذهب بعيدا …إلى حيث تُكْتَبُ العـــالميّـــة لا كصدفة بل كاستحقــــاق .

(*) أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق

You may also like

الأجل الاستدراكي للتسجيل في اللوائح الانتخابية العامة .. تقديم طلبات التسجيل ما بين 18 و24 يناير الجاري

كلامكم الرباط  – في إطار عملية المراجعة السنوية