هيئة التحرير
لم تعد “لوزيعة” كما كانت في المخيال الشعبي عملاً تضامنياً خالصاً تُجمع فيه الأسر على تقاسم الأضحية أو اللحوم بروح جماعية خالصة. ما يجري اليوم في بعض أحياء مراكش، وفق سيل التعليقات الغاضبة والمتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف وجهاً آخر: فوضى في التنظيم، تساؤلات حول الجودة، وشكوك حول المصدر، واتهامات بالجشع واستغلال الحاجة.

التعليقات التي رافقت مقاطع وصور “لوزيعة” هذه الأيام لم تكن عابرة. مواطنون يتحدثون عن أثمنة تثير الاستغراب، وعن جودة محل شك، وعن لحوم لا يعرف مصدرها بدقة. البعض لجأ إلى السخرية، والبعض الآخر عبّر عن خوف حقيقي من انعكاسات صحية محتملة. وبين هذا وذاك، يبرز سؤال مركزي: هل تحولت “لوزيعة” من تقليد اجتماعي قائم على الثقة إلى سوق مفتوح بلا رقابة كافية؟

“لوزيعة” في أصلها تقليد تضامني عريق، هدفه تمكين الأسر ذات الدخل المحدود من اقتناء نصيب من اللحم بثمن أقل عبر الشراء الجماعي. لكنها، حين تغيب الشفافية ويختلط العمل التطوعي بالمصالح التجارية، تصبح أرضاً خصبة للجدل والاتهامات. فالمستهلك البسيط لا يملك وسيلة للتحقق من ظروف الذبح أو النقل أو التخزين. هو يفترض فقط أن ما يُعرض عليه يخضع للضوابط الصحية المعمول بها.

المشكل لا يكمن في التقليد نفسه، بل في طريقة تدبيره. حين يتم تسويق كميات كبيرة من اللحوم خارج القنوات المنظمة، أو دون توضيح كافٍ لمصدرها وظروف إعدادها، فإن القلق يصبح مشروعاً. الصحة العامة ليست مجالاً للتجريب أو المجازفة، وأي إخلال بالمعايير قد تكون كلفته باهظة على الأسر.

السلطات المختصة مدعوة اليوم إلى مواكبة هذه المبادرات الشعبية برقابة استباقية، لا عقابية فقط. المطلوب تنظيم واضح، شروط صحية مضبوطة، وتتبع صارم لسلسلة التوريد، مع تواصل شفاف يبدد الشكوك. لأن ترك المجال للشائعات أخطر من الشائعة نفسها، وغياب التوضيح يغذي فقدان الثقة.
في المقابل، على المشرفين على “لوزيعة” أن يدركوا أن العمل التضامني لا يعفي من المسؤولية. الثمن المنخفض لا يبرر الغموض، وروح التكافل لا تعني التساهل في شروط السلامة. فالمواطن الذي يساهم في “لوزيعة” يفعل ذلك ثقةً في الجماعة، لا مقامرةً بصحته.

ما بين روح التضامن وحتمية الرقابة، يبقى الرهان هو إعادة الاعتبار لفكرة “لوزيعة” كقيمة اجتماعية نبيلة، بعيداً عن أي استغلال أو فوضى. لأن السؤال الذي يتردد اليوم في شوارع مراكش وعلى منصات التواصل واضح: من يحمي المستهلك حين تتحول المبادرة الجماعية إلى مساحة رمادية بلا معايير واضحة؟


