ســـرديـــة كرة القدم ..الحق في الفـــرح

ســـرديـــة كرة القدم ..الحق في الفـــرح

- ‎فيرأي
4443
التعليقات على ســـرديـــة كرة القدم ..الحق في الفـــرح مغلقة

ابريك أمزون *

في زمن تتكاثف فيه الانكسارات ، ويضيق فيه الأفق ، تخرُج كرة القدم من هامش اللّعب إلى قلب المعنى ، فتغذو مرآة للذات الجماعية، ومُتَنَــفّــسا للرّوح العامّة .هي ليست جَــرْيا خلف الكرة ، بل ركْضا جماعيّا نحو لَحْظة فَــــــرح مُستحقّ، تُـرَمّم فيها الشّـــروخ . ويستعيد فيها الجميع نبرة الــ” نحن ” . وحين يلتقي المغاربة حول المستطيل الأخضر، تتــوحّد الأصوات وتختلف النّبَضات . لكنّ القلبَ واحــد ، والانتظارَ واحــد ، والحلمَ واحــد . هناك في هدير المدرّجات وضجيج الشّوارع تتشكّــل الأنا الجماعيّة لا بوصفها فكرة مجرّدة ؛ بل كإحساس حيّ ، يُعلِــن أنّ للفــرح حقّـا ، وللانتماء معنى ، وللجماعة ذاكِــرة لا تُهزم بسهولة. وفي هذا الأفق الرمزيّ ، حيث تتقاطع كرة القدم بالهويّة ، وينكشف الفــرح بوصفه حقّـا جماعيّا، يمكن قراءة حضور الأنا الجماعيّة المغربيّة في علاقتها بســرديّة الكــرة ، لا كلعبة فحسب، بل كفضاء لإعادة تعريف الذّات المشتــركة .
وبطبيعة الحال؛ كرة القدم في المغرب ليست مجرّد ممارسة رياضيّة أو طقس ترفيهيّ ، بل لحظة كثيفة تتقاطـــع فيها الهويّة بالوجــدان ، ويتحوّل فيها الانتصـر إلى لغــة تعبير عن الأنا الجماعيّة المغربيّة . وفي هذه اللّحظــة بالذّات ،
لا يعود الفرحُ تفصيلا عابرا ، بل يصبحُ حقّــا رمزيّا ، تطالب به جماعة اعتادت التّفــــاوضَ اليوميّ مع القسْــــوة والهشاشة.
لذا يبدو مفيدا القول بأنّ الـ “نحن” المغربي يتأسّــس على التّعدد والمرونة : تعدّد لغويّ وثقافيّ وجهويّ ، ومرونة في التكيّــف مع التّحولات والضّغوط ، غير انّ هذا التّعدد في الحياة اليوميّة غالبا ما يظهر في شكل تفاوتات اجتماعيّة واختلالات بنيويّة . هنا تتدخّــل كــرة القـــدم بوصفها آلية توحيد رمزيـّة تعيد إنتاج الـ”نحن” في لحظــة صفاء نــــادرة : جمهور واحد ، أمل واحد وانتظار مشترك .
وحين يلعب المنتخب الوطني، تُعَلّقُ الاختلافات مؤقّتا، لمغاربة جميعهم من البدو والحضر المقيمون والمهاجرون، ذكورا وإناثا ، يلتقون حول الرّاية نفسها ، والهتاف نفسه. لا لأنّهم فقدوا اختلافاتهم ؛ بل لأنهم وجدوا لحظة تتجاوزها .في هذه اللّحظة ، تتجسّــد الأنا الجماعيّة المغربيّة لا كخطاب نظريّ ، بل كتجــربة مُعاشـــة ، محسوســة في الجسد والصّوت والدّمعــة والابتسامــة .
سرديّــة كرة القدم ، تمنح المغاربة مالا تمنحــه لهــم مجالات أخرى : احتضان الفرد ، الاعتراف بالقدرة ، الاعتراف بالجدارة ، وبالحقّ في الفرح ! لذلك لا يُقْرَأُ الفوز الكرويّ باعتباره نتيجة رياضيّة فقط ، بل يُحمّلُ بدلالات أعمـــق : استعادة للكرامة الرمزيّة ، وكسر لصورة النّــقـص ، وإعــــلان عن حضور مغربيّ واثق في الفضاءيـــن الإقليمــــيّ والعـــالميّ . الفرح هنا ليس استهـــلاكا عاطفيّــا عابرا ؛ بل إعــادة تملّــك للذّات . وحقيقة ؛ الفرحُ المغربيّ يتميّـز بطابعه الجماعيّ الصّريــح : البيوت والشّوارع تتحوّل إلى فضاء احتفال، والهتاف والزّغـــاريد إلى لغة جامعة ، والجسد إلى أداة تعبير جماعيّ . الفـــرح هنا لا يدار من فوق ، ولا يحتاج إلى وساطة المؤسّسات ، بل ينبُع فِطْرةً من القاعدة : البيت والدّرب والحومة والمقهى والسّاحة العموميّة والمدرّجات، إنّــه فــرح يصنع معناه بنفسه ، ويعيد ما تقطّع بين الفــــرد والجماعة في الحياة اليوميّة .الحــقّ في الفــرح ، لا يعني الهروب من الواقع ،بل تعليقا مؤقّتا لقسوته ، هو شكل من أشكال المقاومة الناّعمة ، يُواجه القلق بالهتاف ، والإحباط بالأغنيّة ، والانسداد بالاحتضان الجماعيّ، والإعلان بأن الحياة ماتزال تتحمّل الابتســـام .
وعبر هذه الأطوار التي تُحقّــق الفرجة والهدف ، تكشف كرة القدم عن عمق الأنا الجماعيّة المغربيّة ، لا بوصفها هوية صلبة ومكتملة ، بل باعتبارها جسدا حيّا يتغذّى من اللّحظات المشتركة ، وحين يفرح المغاربة فإنّهم لا يحتفلون بهدف أو انتصار فقط ؛ بل يِؤكّــدون – بصيغة الجمع – حقّــهم الإنسانيّ العميق في الفرح ، وحقّــهم في أن يقولوا : نحن هنـــا.. ونستحـــقّ هذه اللّحظـــة !
لا تنتهي الحِكاية عند صافِـــرًة الحَكَــم ، ولايُختزَلُ الحُلـــم في تأهّل عابر ، بل يمتدّ المعنى إلى ما بعد النّتيجة وما وراء البطولة ، فالتّـــأهّـــل إلى العالميّــة ليس مجرّد عبور رياضيّ ، إنّــه اختبار للثّــقة وللنّــيـة ، إنّــه امتحان للأنـــا الجماعيّــة وهي تواجه العالم بوجهها الكامل .هناك في المــدى المفتـــوح يصبح الفــــرح وَعْدًا لا ذكــرى ، وتغدو الكرة رسالة تقول إن الطّــريق مازال ممكنـــا ، وأنّ الحلمَ حيــن يُحمَلُ جماعيّا لا يشيــخ ولا ينكسِـــر ..هي بداية لا خــاتمة ، وأفقٌ يُفْتَح لا باب يُغْـلَـق، لأنّ من تعــلّم أن يفرح معــًا ، قــادر أن يذهب بعيدا …إلى حيث تُكْتَبُ العـــالميّـــة لا كصدفة بل كاستحقــــاق .

(*) أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق

You may also like

المغرب على أعتاب تحول عسكري غير مسبوق.. هل تقود صفقة الدبابات الكورية إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة؟

هبئة التحرير تتجه الأنظار في الآونة الأخيرة إلى