خاص / الحسين أعشري .. فنان ميدلت الضائع

0 129

فنان ميدلت

مدينة ميدلت و ما كان يسمى ذات تاريخ باريس الصغيرة كما تظهر في بعض الصور التذكارية القديمة تكللها ثلوج جبل العياشي ، و التفاحة التي في وسطها قد تكون أينعت في يوم ما عندما كانت مناجم أحولي و ميبلادن حولها مفعمة بالحياة مختلطة بمواسم التفاح البهيحة ، و ربما تعود قريبا في نهضة تنموية شاملة في الطريق من يدري ..

الجو غائم كل مساء ، تسير الريح تغازل النوافذ و الكوات بشيئ من العنف ، تعصف الريح بصوت كالهديل ،لتحمل بعض قطرات المطر في النهاية و قد تصير وديان كاسرة بين الجبال، فتلطف الجو في وجه الناس البسطاء الذين يواجهون الحياة الصعبة ، التي تلتهم كل مدخرات الأسر لليالي الصقيع خشبا و دفئا ..

فنان ميدلت1
مثل ذلك الفرخ اللي يهبط من العين …يمر الحسين بين كراسي مقهى الأرز على استحياء ، يمكنه النادل فؤاد الوديع من ملاقاة زبناء المقهى دون تضييق ..
لا يضايق الفنان أحدا يمر برفق قربا، و هو لا يحاول أن يقترب أكثر من اللازم ،حتى يناديه أحد له به سابق معرفة يحتاج الى سمع مغاير لما يسمعه في اليومي من كلام يحكي قصة الوتر، يجمع بين التغني بالهموم ، و متع الحياة و سعاداتها القليلة و حكايات الأطلس الشامخ ..

نغمات وترية جميلة بالأمازيغية و بالعربية ، بعض الضربات بالأكف تتابعها ، تدعو الى احتجاب الالم بعدم التفكير في الماضي و المستقبل ، تنوب الموسيقى عن الكلمات أو تتلاحم معها تترنم بألحان مكررة و مستعادة لتذكر ببعض الأمجاد الشخصية و بالأمهات أيضا : و الزين و العلو و شكون للي ولدو ..

فنان ميدلت2
يقول لحسن أنه يسكن في دار آيلة للسقوط ، و يعاني من ضعف البصر بنسبة 70 في المائة كما يصرح ..
و يتمنى لو تستدعيه جمعية من جمعيات ضعاف البصر ليس على سبيل الاستجداء و لكن ليحيي إحدى لياليها ، أو يستضيفه برنامج ثقافي من تلك البرامج ، ليستقصي رؤيته في الفن و الحياة ، و لم لا فقد يوجد في النهر مالا يوجد في البحر ..
له نظرية خاصة في الفن و الحياة ، الفن رؤية تعتبر اليد هي المتحكمة في الوتر ، و الالة الوترية ينبغي ان تكون جزءا من جسد الفنان و امتداد له ..
يصرح أن الفنان لكي يكون فنانا ، يحتاج الى المساعدة في الفن قبل الحياة ،أولا لتوفير الآليات التي يحتاجها و ثانيا ليستكمل مشروعه الفني ، لأن ضعف الحال يثقل على النفس و يعطل الوتر و الإحساس ، لكنه يدرك جيدا ارتباط الإبداع كما العلم بالبساطة في الحياة كان يردد لولا الفقراء لضاع العلم..كما يدرك التدرج في الموضوعات بين شباب الفنان و سريان الشيخوخة في الجسد و في الفن ..
أتعرف عليه رويدا رويدا ، دون إزعاج ، أناقشه في كل الموضوعات مناقشة الند للند ، مستواه الدراسي الخامسة ابتدائي ، مع دبلوم في الكهرباء ، اشتغل في عدة مهن ، قبل أن يخونه البصر، و لم يمنعه كل ذلك من مراكمة ثقافة واسعة بالحياة و موهبة فنية صقلت روحه..
تواضع خاص يتميز به ، و احترام للحوار مع الآخر ، و اعتزاز برضى الوالدين ، و هو الذي رافق والدته في مسار الكبر حتى مثواها الأخير، ليبقى وحيدا في دار يصفها بكون الشقوق فيها أكثر من الجدران ..

فنان ميدلت3
و له أفكار خاصة به ، فالفن رؤية و اخلاق و احترام للمتلقي و تجاوب مع حالته النفسية ، و الناس معادن و الزبناء أيضا فهناك من يتعامل بشكل جيد و هناك من يتعامل مع الفنان بنوع من إشعاره الدونية ..
و الوعي انفصام بين الوعي بالاشياء و الوعي بالذات و هو الأهم في نظره و هو ما يعيبه على الكثيرين من مساكنيه ، فهناك من لا يصدق أنه صار غنيا ، سمع الخبار و سبق للطريق ، و البورجوازي في نظره لا يكون كذلك إلا باربعة العلم و المال والصحة و الجمال ..
قد نتفق معه أو نختلف لكنه يعتبر ميدلت من أغنى المدن فهي مدينة المعدن و الغابة و أغنى مكان بالماء ، و يتمنى لو تضمن المزيد من الشغل لأبنائها ..
يحب المواضيع الملتزمة مثلما يحب الوطن يقول : المغرب شي حاجة كبيرة و ما عرفناش نتعاملوا معاه .. و الحرية فيه من أغلى الأشياء ..
و يقول انه غنى في مختلف الأغراض من الاجتماعي و العاطفي حتى الصوفي ..و أنه خرج من معطف رويشة و حمو اليزيد و الغيوان ..
يغني :
بغيت نرجع لبلادي باش نرتاح شي شوية ..
قهرة البراني ماحاس بيها غير ذوك اللي داوموا فيها
يتكلم عن رويشة بإعجاب و يقول أن ما عمله بشكل فردي كان ينبغي أن يقوم به مجموعة من الفنانين ، يخلط كلامه بالنكت و الفكاهة و مما حكى لي أن أحدهم اعطى سائلا درهما ، فسأله اذا اردت ان تدخل سهرة كم تعطي من درهم قال له مائة درهم ، و اذا اردت ان تدخل الملعب كم تدفع قال له ثلاثمأة درهم .
قال له السائل : إذا كان الأمر كذلك كيف تريد ان تدخل الجنة ـ و هي كما تعلم ـ بدرهم واحد ..
يعتبر الحسين أن الخلق عند الناس واحد و العلم واحد فالأخلاق أهم شيئ في الحياة خاصة رضى الوالدين و المرضي كا يجيب ليه المرا للي ترحمو ، و أن الجنة ليست فقط في الآخرة فالدنيا جنة و الأرض جنة ..
له معرفة خاصة بالمتلقي و بمخيلته ، و يوجه له أنغامه حسب حالته النفسية ، و يعتبر أن المراة تعترف أكثر من الرجل ، و تتفاعل أكثر مع أوتاره و مع الكلمات ..
يقول أنه يتبع نمط رويشة ، و حمو ليزيد فهما اللذان أثرا فيه و يقول أنه يتبع نفس طريقتهما في العزف و التعامل مع الكلمات كما يعرف جيدا مسارات حياتهما ..

ميدلت
يقول أن له أغنيته الخاصة ألفها و لحنها حول الهجرة السرية و الغربة عن الوطن ..
آلته المتميزة و التي هي أكبر حجما من المعتاد ، قد تحكي كل علاقته مع الموسيقى و شغفه بها ،و هو الذي جعل رزقه معلقا بخيوطها ، و ما يجود به عليه زبناء مقهى الأرز ..
هناك يجلس بعيدا يحمل آلته الوترية على عادة الشعراء التروبادور، الشعراء المتجولون الذين يتنقلون حاملين أغانيهم إلى الجمهور في المقاهي و الأسواق ، مقابل دريهمات يمنحهوها لهم مقابل المتعه الموسيقية العابرة و إيقاظ الذوق الفني و الجمالي القابع في مكان ما من الوعي الجمعي ..و هم ينقلون اليوتوبيا الاجتماعية و إمكانيات عيش الفنان من فنه فقط ..
و ضيق الحال هذا لم يمنع الحسين او عمي الحسن كما يعرف هنا من البراعة و الإبداع و التميز، يكفي الإصغاء و الاستماع هنيهة ـ للوتارـ و هو يرتعش بين أنامله لتكتشف منذ الانطلاقة الأولى جمالية الانغماس في عالم مترف بالفنية و الشعرية و الجمال ..
يتقن الحسين فن الغناء بالأمازيغية و العربية ، و يدرك جيدا التكامل بينهما ، كما يدرك التكامل بين موضوعات الحياة ، تماما مثل المرحوم رويشة ..
إنه الحسين أعشري الفنان الخمسيني المغمور ، ابن مدينة ميدلت ، أكيد لن يخيب التلفزة ان وضعت ثقتها فيه أو أتتث به بعض برامجها الفنية ، و هو الذي خبر الحفلات البسيطة الحميمية و أتحف الأسماع في صمت و طيبوبة ، و تبقى حياته عالما مغلفا بالأسرار على عادة الفنانين الكبار ..
قد يستجيب له الحظ كما استجاب لآخرين ، ربما المجلس البلدي الحاضر أو المقبل يمكن ان يفعل شيئا لمثل هذه المواهب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.