حين يتحول الصمت إلى تواطؤ… من يحمي قواعد النقاش أمام استهداف فؤاد عالي الهمة؟

حين يتحول الصمت إلى تواطؤ… من يحمي قواعد النقاش أمام استهداف فؤاد عالي الهمة؟

- ‎فيرأي, في الواجهة
10334
0

هيئة التحرير

ليس أخطر ما يطفو اليوم على سطح النقاش العمومي هو حدّة الاختلاف، بل هذا الانزلاق الصامت نحو قاع لغوي وأخلاقي غير مسبوق، حيث تُستبدل الحُجّة بالإيحاء، والفكرة بالتجريح، والسياسة بالتشهير. في قلب هذا المشهد، يبرز اسم فؤاد عالي الهمة، لا باعتباره مجرد مسؤول عمومي، بل كاختبار حقيقي لمدى صلابة القواعد التي يدّعي البعض الدفاع عنها.

ما يحدث يتجاوز شخص الهمة. نحن أمام ظاهرة أعمق: تفكك تدريجي لفكرة “النقاش” نفسها. فحين تُستهدف شخصية بهذا الوزن بأساليب تنهل من قاموس الانحطاط، دون سند أو مسؤولية، فإن الأمر لا يتعلق بحرية تعبير، بل بإعادة تعريف خطير لهذه الحرية، لتصبح مرادفاً للفوضى. والأدهى أن هذه الفوضى لا تُواجَه، بل تُقابَل بصمتٍ مريب من أولئك الذين شيّدوا لأنفسهم صورة “حرّاس الأخلاقيات”.

الصمت هنا ليس مجرد غياب للصوت، بل حضور كثيف لموقف غير مُعلن. صمتٌ انتقائي، يشتغل بمنطق “الهوية السياسية للضحية”: إن كان المستهدف ضمن الدائرة التي لا تُثير التعاطف، فالتشهير مباح، بل ومُبرَّر أحياناً. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن القاعدة التي تُطبَّق بانتقائية، تفقد صفتها كقاعدة، وتتحول إلى أداة ظرفية في صراع لا يعترف بأي ضوابط.

لقد عرف المغرب، في مراحل مختلفة، أشكالاً من المعارضة الشرسة، بل وحتى الراديكالية، لكنها كانت – في أغلبها – تستند إلى لغة سياسية، إلى تصور، إلى مشروع أو على الأقل إلى وهم مشروع. أما اليوم، فنحن أمام معارضة بلا خطاب، تكتفي بإنتاج الضجيج بدل المعنى، وتُراكم “التفاعلات” بدل الأفكار. إنها معارضة تُقاس بعدد المشاركات، لا بعمق الأطروحات.

وفي خضم هذا الانحدار، يبرز نمط آخر من “البطولة الوهمية”: أن تدّعي امتلاك أسرار كبرى، أو تلمّح إلى ما دار في جلسة مغلقة بينك وبين مسؤول، وكأنك فتحت فتحاً مبيناً، بينما الحقيقة أنك لا تملك سوى فتات الإيحاء. حينها، يغمر صاحبه وهم الأبطال “الدونكيشوتيين”، يلوّح بسيف من كلمات فارغة، ويحاول دغدغة مشاعر الجمهور باستعارات رخيصة وانتصارات متخيلة. في تلك اللحظة تحديداً، لا يكون قد كشف شيئاً… بل كشف عن نفسه، لأن من يستبدل المعطى بالدعاية، والوقائع بالتهويم، إنما يعلن – دون أن يدري – أن الإفلاس قد أصابه في العمق.

في هذا السياق، يصبح الدفاع عن فؤاد عالي الهمة دفاعاً عن شيء أكبر بكثير من شخصه: دفاع عن الحد الأدنى من شروط النقاش. لأن السماح بهذا المستوى من الانحدار، يعني القبول الضمني بأن المجال العمومي لم يعد فضاءً لتبادل الرأي، بل ساحة مفتوحة لكل أشكال القذف الرمزي. واليوم، حين يُستهدف مسؤول، قد يجد البعض في ذلك نشوة عابرة؛ لكن غداً، حين تُكسر كل الحواجز، لن يبقى أحد خارج دائرة الاستهداف.

الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة أفراد، بل أزمة نخب. نخب اختارت الصمت حين كان مطلوباً منها الكلام، وتوارَت حين كان يفترض أن تُعلن موقفاً واضحاً. لأن الدفاع عن القواعد حين يكون المستهدف خصماً، هو المعيار الوحيد لصدق الالتزام بها. أما الدفاع عنها حين تخدم موقعاً سياسياً معيناً، فليس سوى إعادة إنتاج لنفس الانتهازية التي يُفترض نقدها.

ثم إن هذا الانحدار يكشف أيضاً عن تحوّل عميق في طبيعة السلطة الرمزية. لم تعد تُبنى عبر الفكرة أو الإنجاز، بل عبر القدرة على إثارة الجدل، ولو كان جدلاً فارغاً. وهنا، تتحول “اللغة المقرفة” إلى أداة جذب، ويصبح الابتذال استراتيجية تواصل، في زمن تُكافئ فيه الخوارزميات الأكثر صخباً لا الأكثر عمقاً.

في المحصلة، قد يبدو أن هذه الحملات تُصيب هدفها، لكنها في الواقع تُقوّض الأرضية التي يقف عليها الجميع. فحين يسقط السقف، لا يُصيب من تحته فقط، بل يطمر كل من ظن أنه بمنأى. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يُهاجَم؟ بل: ماذا تبقى من قواعد تُنظّم هذا الهجوم؟
وإلى أن يجرؤ “حرّاس الأخلاق” على كسر صمتهم الانتقائي، سيظل المشهد رهين هذه المفارقة القاتلة: ضجيج بلا معنى، وصمت بلا براءة.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

مراكش: سقوط “سمسار الأحلام الآسيوية” بعد النصب على طلبة بوهم الدراسة بالخارج

هيئة التحرير تمكنت عناصر الشرطة القضائية بولاية أمن