بقلم: نورالدين بازين
في خطاب سياسي عميق ومحمّل بالرسائل الموجهة إلى النخب والمؤسسات، شدد جلالة الملك محمد السادس خلال افتتاح الدورة التشريعية الجديدة على أنه:
“لا ينبغي أن يكون هناك تنافس بين المشاريع الكبرى ما دام الهدف هو تنمية البلاد وتحسين معيشة المواطنين.”
عبارة تختزل، بذكاء سياسي لافت، أزمة الفعالية والتنسيق داخل المنظومة الحكومية والإدارية، وتضع الأصبع على الجرح الحقيقي الذي يعيق سرعة ونجاعة تنفيذ البرامج التنموية في المغرب.
فالملك، وهو يتحدث من موقع الضامن لوحدة القرار الوطني، يوجه انتقاداً ضمنياً إلى منطق المزايدة والتنافس الحزبي والمؤسساتي، الذي أضحى يطغى في بعض الملفات الكبرى. لقد تحوّلت أوراش التنمية أحياناً إلى ساحات صراع غير معلن بين قطاعات حكومية وجهات ترابية ومجالس منتخبة، يسعى كل طرف إلى نسب الإنجاز إليه بدل توحيد الجهود في خدمة الصالح العام.
الجملة الملكية جاءت لتعيد ضبط البوصلة: التنمية ليست تنافساً على الأرقام أو على صور التدشين، بل هي ورش وطني جماعي يتطلب تكاملاً بين المشاريع الكبرى والبُعد الاجتماعي. فالمغزى الحقيقي من كل استثمار في البنية التحتية، والطاقة، والموانئ، والمدن الجديدة، هو تحسين حياة المواطنين وتوفير فرص العمل وتعزيز العدالة المجالية.
سياسياً، يُقرأ هذا الموقف كرسالة مباشرة إلى الحكومة والأحزاب السياسية على السواء. فبعد أربع سنوات من الولاية التشريعية الحالية، يبدو أن ضعف الانسجام داخل التحالف الحكومي، وتعدد مراكز القرار المحلي، خلق نوعاً من التشتت في الرؤية التنموية، ما يبرر تدخل الملك لتذكير الجميع بأن الغاية ليست تسجيل الأهداف، بل خدمة المواطن المغربي.
كما أن الخطاب يضع الأحزاب والبرلمانيين أمام مسؤوليتهم التاريخية في ترسيخ ثقافة العمل الجماعي والنتائج الملموسة، بدل الانغماس في حسابات انتخابية ضيقة. إنها دعوة ملكية لإعادة تعريف مفهوم “النجاح السياسي” في المغرب، ليصبح مرادفاً لـ “الأثر الإيجابي على المواطن” لا لـ “المكسب الحزبي”.
للإشارة، يمكن القول إن الجملة الملكية لم تكن مجرد ملاحظة عابرة، بل تأطير استراتيجي لمسار التنمية الوطنية، وتذكير بأن المغرب لا يحتاج إلى تنافس داخل الدولة، بل إلى انسجامٍ يقود الدولة نحو مستقبل متوازن وعادل.


