مراكش تتنزّه… لكنها تكاد تفقد حقها في الحياة !

مراكش تتنزّه… لكنها تكاد تفقد حقها في الحياة !

- ‎فيرأي, فن و ثقافة
2397
التعليقات على مراكش تتنزّه… لكنها تكاد تفقد حقها في الحياة ! مغلقة

*بقلم د. أمين ماكامان

من مراكش تبدأ الحكاية… لا لأن “النزاهة” حكرٌ عليها، بل لأنها تكشف، بوضوح يكاد يكون فاضحا، كيف تتحول الطقوس الحيّة حين تُسحب من معناها وتُعاد صياغتها كصورة. كيف تبقى الأجساد في المكان… بينما تغادره الروح بهدوء.
“النزاهة” في أصلها ليست مجرد خروج إلى الطبيعة، بل فعل جماعي يعيد التوازن بين الإنسان وذاته، بينه وبين الآخرين، وبين المدينة وذاكرتها. هي طقس إنساني قديم، ارتبط بالربيع كاحتفال بالحياة، حيث تتصالح الحواس مع العالم: موسيقى تُسمع، روائح تُشم، أطعمة تُتذوق، وضحكات تُقال بلا حساب. في مراكش، كان لهذا الطقس طعم آخر. لم يكن مجرد نزهة، بل إعلانًا غير مكتوب عن روح المدينة: انفتاح بلا تصنع، اجتماع بلا ترتيب، وبهجة لا تحتاج إلى إخراج. ففي النزاهة، تستيقظ الحواس كلها، صدى الملحون يتسلل بين الأشجار، الطنجية والشواء يمتدان من الذاكرة إلى اللحظة، تباريك الشاي المنعنع ترتفع كطقس صغير للطمأنينة، ورائحة الزهر تحرس بساتين كانت، إلى وقت قريب، تحفظ براءة المكان. لكن شيئًا ما تغيّر. النزاهة ما زالت قائمة… لكنها لم تعد تُعاش كما كانت. حضر الطقس، و يكاد المعنى يغيب !
الوجوه مجتمعة، لكن القلق يتكلم بدلها…!؟
الضحكة لم تعد تُقال بعفويتها، والحكاية لم تعد تُروى ببساطتها، وكأن الفرح نفسه أصبح خاضعًا لرقابة غير مرئية.
تحوّل ابن المدينة من كائن خفيف الظل، بسيط الحضور، إلى فرد مثقل بأسئلة الغد، مرهق بمتطلبات الحياة، ومشدود إلى سباق لا يهدأ.
يخرج للنزاهة… لكنه يحمل معه كل ما كان يريد الهروب منه.

غير أن هذا التحول لا يُفهم فقط من زاوية الفرد، بل من زاوية المدينة نفسها.
مراكش اليوم تُسوَّق أكثر مما تُعاش.
تُقدَّم كواجهة جاهزة: ألوان، تقاليد، أطباق، طقوس… كلها مُعدّة لتُرى، لتُصوَّر، لتُستهلك.
وفي هذا المنطق، لم تعد النزاهة فعلًا عفويًا ينبع من الداخل، بل أصبحت امتدادًا لهذا العرض الكبير.
و هنا تلوح الأزمة في الأفق :
حين تتحول المدينة إلى صورة، يتحول بعض سكانها، بشكل غير معلن، إلى عناصر داخل هذه الصورة.
يجدّون في الحفاظ على الإيقاع، على المظهر، على “الفرجة”… حتى وهم يفقدون تدريجيا قدرتهم على عيشها بصدق.
فحضور النكتة التلقائية أصبح شحيحا، وتراجعت بساطة التعبير، لأن الحياة نفسها لم تعد بسيطة.
وما يُعرض كبهجة، لم يعد يُعاش كراحة.

في العمق، لا يتعلق الأمر بنزهة فقدت روحها، بل بمدينة تكاد تفقد توازنها بين أن تكون فضاءً للعيش، وأن تتحول إلى منتج بصري.
فالمدينة التي تُبنى لتُرى، لا تُبنى بالضرورة لتُعاش.
والمدينة التي تُدار بمنطق الجاذبية، تفقد تدريجيا قدرتها على الاحتضان.

و في زمن السرعة، لم تعد النزاهة استراحة حقيقية، بل استثناءً نادرا.
ولم يعد اللقاء بالأحباب عادة، بل فرصة تُنتزع من بين ضغط الأيام.
كأن المدينة، وهي تتوسع في الإسمنت، تضيق في الداخل…
وكأن الربيع، وهو يحل في الطبيعة، يتأخر في القلوب !

مراكش اليوم تواجه سؤالًا لا يمكن تأجيله:
لمن تُبنى هذه المدينة؟
هل لسكانها الذين يبحثون عن لحظة صدق داخل يوم مثقل؟
أم لعين عابرة تبحث عن صورة مكتملة العناصر؟
حين تفقد النزاهة معناها،
فإن الأمر لا يتعلق بطقس عابر…
بل بمدينة بدأت تنسى كيف تُنتج الحياة!
وتتقن فقط كيف تُنتج الصورة .

*مهندس معماري-خبير
مختص في قضايا التعمير و الهوية الحضرية
الكاتب العام لمركز ذاكرة مراكش للتراث و الثقافة

You may also like

إعلان عن انقطاع التيار الكهربائي بهذا الحي بمراكش

إعلان