خاتم الزواج: رمز العبودية

خاتم الزواج: رمز العبودية

- ‎فيرأي
1124
التعليقات على خاتم الزواج: رمز العبودية مغلقة

بقلم : ذ.محمد بوفتاس

ليس كل ما يلمع ذهبًا… وليس كل ما يُلبس حبًا.
خاتم الزواج، هذا الدائر الصامت الذي يلتف حول الإصبع، يُقدَّم لنا بوصفه رمزًا للوفاء الأبدي، لكنه يخفي في عمقه تاريخًا معقّدًا من السلطة، والملكية، وإعادة إنتاج البنية الاجتماعية غير المتكافئة.
في جذوره الأولى، لم يكن الخاتم تعبيرًا بريئًا عن الحب، بل كان أقرب إلى علامة امتلاك. ففي مجتمعات مثل روما القديمة، كان الرجل يمنح المرأة خاتمًا لا ليعلن شراكة متكافئة، بل ليؤكد ارتباطها به ضمن نظام يرى المرأة امتدادًا لسلطة الرجل. لم يكن الخاتم وعدًا، بل كان إعلانًا. إعلان سيطرة ناعمة، مغلفة بلغة العاطفة.
هذه الدائرة المعدنية لم تكن مجرد زينة، بل كانت جزءًا من منظومة رمزية تُعيد إنتاج فكرة أن المرأة “تُؤخذ” و“تُمنح”، وأن علاقتها بالرجل تمر عبر قناة التملك. وحتى إن لم يكن ذلك رقًا بالمعنى القانوني، فإنه شكل من أشكال العبودية الرمزية، حيث يُختزل الإنسان في علاقة انتماء أحادية.
ومع تطور المجتمعات، لم يختفِ هذا البعد، بل تغير شكله. أصبح الخاتم، خصوصًا حين يكون من ذهب أو ماس، أداة لإظهار القدرة الاقتصادية، وكأن الحب يُقاس بوزنه في السوق. هنا تتداخل العاطفة مع الرأسمال، ويتحول الرمز من علامة انتماء إلى مؤشر طبقي، يعكس موقع الفرد داخل هرم اجتماعي غير عادل.
أما التبرير الفلسفي الذي يربط الخاتم بدلالة الدائرة—باعتبارها رمزًا للخلود—فهو تأويل لاحق، محاولة لتجميل أصلٍ لم يكن بريئًا. فالدائرة التي لا بداية لها ولا نهاية قد ترمز للاستمرار، لكنها قد ترمز أيضًا إلى الدوران داخل بنية مغلقة، حيث يعاد إنتاج نفس العلاقات دون مساءلة.
دينيًا، لا نجد إلزامًا حقيقيًا بارتداء خاتم الزواج، سواء في الإسلام أو حتى في بدايات المسيحية. ما حدث هو أن العادة الاجتماعية تسللت إلى الطقس، فاكتسبت شرعية لم تكن لها في الأصل. وهنا يتجلى كيف تتحول الممارسة من اختيار اجتماعي إلى شبه “واجب رمزي”، يُمارس دون تفكير.
لكن السؤال الأهم ليس: هل الخاتم رمز عبودية؟
بل: كيف نعيد تعريف الرموز التي نرثها؟
في زمننا هذا، قد يرتدي شخصان خاتم الزواج باعتباره تعبيرًا عن اختيار حر، لا عن خضوع. وقد يرفضان الخاتم تمامًا، دون أن ينقص ذلك من صدق العلاقة شيئًا. الفرق لا يكمن في الخاتم ذاته، بل في الوعي الذي يحمله.
خاتم الزواج إذن ليس مجرد دائرة من ذهب، بل دائرة من المعاني:
قد تكون قيدًا… وقد تكون وعدًا…
وقد تكون، في نهاية المطاف، مجرد عادة لم نجرؤ بعد على مساءلتها.

You may also like

بمناسبة اختتام شهر التراث: الإطلاق الرسمي لخدمة الدليل الصوتي بالمعالم التاريخية بمدينة مراكش

كلامكم/ مراكش بمناسبة اختتام شهر التراث، سيتم تنظيم