*بقلم د. أمين ماكامان
لم يعد السؤال اليوم: هل يقرأ المثقف؟ بل: ماذا تبقّى من القراءة في زمن تحوّلت فيه الثقافة نفسها إلى عرض سريع للاستهلاك؟ هذا السؤال عاد إليّ بقوة وأنا أغادر المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الرباط و الذي حضي بتنظيم محكم و تجهيزات للمرافق و الخدمات التي يحتاجها زوار المعرض من مطاعم و مكان الصلاة و الاستراحة و دورات المياه و موقف للسيارات… و بعد يوم من التجوال بين الأروقة و حضور بعض الندوات، ومتابعة فقرات التوقيع، وتأمل ذلك الكم الهائل من الإصدارات المعروضة بعناية، مقابل حضور خافت للقراء، وازدحام أقل مما يليق بمدينة تحتفي بالكتاب. كان المشهد يحمل مفارقة مؤلمة: كتب كثيرة، عناوين أكثر، إنتاج متزايد… لكن القارئ الحقيقي يبدو كأنه ينسحب بصمت من المشهد الثقافي. لقد أصبح من السهل اليوم أن نطبع الكتب، وأن ننظم المعارض والندوات، وأن نملأ الفضاء الثقافي بالصور والأنشطة، لكن الأصعب هو أن نعيد بناء العلاقة العميقة مع القراءة باعتبارها فعلًا للتفكير لا مجرد طقس ثقافي موسمي. فالمشكلة لم تعد في غياب المعرفة، بل في طبيعتها نفسها؛ إذ تحوّلت من معرفة تُبنى بالتأمل والصبر إلى معرفة سريعة تُستهلك في لحظتها ثم تُنسى. أعتقد أن السؤال لم يعد مزعجا و صادما كما كان ، إنما الأكثر إزعاجًا : أن هذا السؤال لم يعد يُطرح من خارج الوسط الثقافي، بل من داخله! من مثقفين يشعرون بأن شيئًا ما قد إنكسر في علاقتهم بالكتاب، ومن قرّاء سابقين يلاحظون أن حضور القراءة تراجع لصالح أشكال أخرى من “المعرفة السريعة”. ففي المخيال الكلاسيكي، كان المثقف يُعرّف بعلاقته بالنص: قارئ نهم، محلل، منتج للمعنى، يعيش داخل الكتب بقدر ما يعيش داخل الواقع، لكن هذا التعريف لم يعد مستقرًا اليوم، ليس لأن المثقف أختفى، بل لأن بعض المثقفين تكيّف مع زمن لا يكافئ القراءة العميقة، فبدل أن يختفي، تغيّر شكله: يقرأ أقل، يكتب أسرع، يتفاعل أكثر، ويتأمل أقل، وهنا يكمن التحول الحقيقي، من مثقف قارئ إلى مثقف متفاعل. و نحن نعيش في زمن لا يعادي القراءة بشكل مباشر، لكنه يفرغها من معناها، هو زمن يكافئ السرعة والاختزال والحضور اللحظي، بينما القراءة العميقة تتطلب بطئًا وعزلة وصبرًا فكريًا. وفي هذا التوتر تصبح القراءة عبئًا، خاصة في سياق اجتماعي قلق .حيث ضغط العيش مرتفع، والفضاءات الثقافية محدودة، والاعتراف بالمثقف موضع تساؤل !؟ فيجد كثير من المثقفين أنفسهم مضطرين للتكيّف بدل المقاومة.
و المفارقة أن المثقف اليوم لا يتوقف عن الاطلاع، لكنه نادرًا ما يقرأ بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتابع منشورات وتحليلات سريعة وفيديوهات ونقاشات رقمية، لكنه لا يدخل في علاقة عميقة مع النص، وما يحدث هنا ليس تطورًا تلقائيا ، بل تحول في طبيعة المعرفة نفسها، من معرفة تُبنى إلى معرفة تُستهلك، و حين تتحول المعرفة إلى فيض معلوماتي يفقد الفكر قدرته على التماسك، ويصبح المثقف محاطًا بالمعلومات لكنه محروم من الرؤية. فمن السهل إلقاء اللوم على المدرسة أو الجامعة، لكن الأزمة أعمق من ذلك، فقد تربّت أجيال على قراءة مرتبطة بالامتحان لا بالاكتشاف، بالنجاح لا بالفهم، فخرجت إلى الحياة دون علاقة حقيقية مع الكتاب، ولهذا تتخلى عن القراءة بسهولة لأنها لم تعشها يومًا كضرورة داخلية، بل كواجب مؤقت. في الوقت نفسه، يمكن أن نلاحظ تراجع مكانة المثقف العضوي داخل المجتمع، فلم يعد مرجعية كما كان، بل حلّ مكانه المؤثر وصانع المحتوى و التقني المعولم…
وهنا يحدث تحول خطير! إذ يبدأ المثقف في التكيّف مع السوق بدل أن يقاومه، فيقرأ ما يخدم حضوره لا ما يغذي فكره، ويكتب ما يُطلب لا ما يجب أن يُقال.
و إذا كان لا يقرأ الكتب، فهو يقرأ ما هو سريع ومفيد وقابل للاستهلاك (مقالات قصيرة، تقارير تقنية، محتوى رقمي،إحصاءات …)، أي كل ما يمنحه معرفة فورية دون جهد تأملي، لكنه نادرًا ما يقرأ ما يربكه أو يغيّره أو يجبره على إعادة النظر في أفكاره.
هنا بالضبط تتقاطع أزمة المثقف مع أزمة المدينة، حيث أعتبر أن غياب القراءة العميقة لا ينعكس فقط على الفكر، بل يمتد إلى كيفية إنتاج الفضاء الحضري نفسه. فحين يضعف التفكير النقدي، وتتراجع القدرة على التأمل، وتُستبدل الرؤية بالحلول السريعة، تتحول المدينة بدورها إلى منتج سريع، تُبنى بلا تصور، وتُشكّل بلا معنى، وتُدار بمنطق السوق لا بمنطق الثقافة. و في مدينة مثل مراكش، حيث تتعايش الذاكرة مع التحول، يصبح هذا الخلل أكثر وضوحًا. إذ تتكاثر التحولات العمرانية والواجهات المعمارية دون إطار فكري أو جمالي جامع، فتظهر الفوضى البصرية كترجمة مباشرة لغياب القراءة، لا بمعناها المدرسي، بل بمعناها العميق: قراءة المدينة، قراءة تاريخها، قراءة سياقها، وقراءة أثر كل تدخل فيها. إن ما أسميه التلوث البصري ليس سوى نتيجة طبيعية لغياب هذه القراءة، لأن من لا يقرأ لا يرى، ومن لا يرى لا يستطيع أن ينسج علاقة مسؤولة مع الفضاء المشترك.
وهنا ينهار ما قد سميته -في مقال سابق- ب*السيادة الجمالية الحضرية*، أي قدرة المجتمع على التحكم في صورته البصرية، لصالح قوى مشتتة (السوق، العشوائية، والقرارات المرتجلة…)
وهكذا، يصبح المثقف الذي لا يقرأ شريكًا غير مباشر في إنتاج مدينة لا تُفكّر، مدينة تتكاثر فيها الواجهات كما تتكاثر المعلومات السطحية، بلا انسجام، بلا عمق، وبلا معنى. فالمشكلة إذن: ليست في قلة القراءة، بل في فقدانها كفعل يُنتج رؤية، لأن المدينة، في النهاية، ليست فقط ما يُبنى، بل ما يُفهم، وما لا يُقرأ لا يمكن أن يُبنى بشكل سليم، وما لا يُفكّر فيه يتحول حتمًا إلى فوضى، سواء كان نصًا… أو مدينة…!
أنا هنا، لست بصدد الحديث عن تعريف للثقافة و من ينتجها؟ أو أسعى إلى تأصيل أنطولوجي عن تعريف من هو المثقف أولا !؟كم أني لا اعمم هذه الملاحظةعلى الجميع!
فالمثقف الذي لا يقرأ لا يتوقف عن الكلام، لكنه يتوقف عن التفكير، ومع الوقت يتحول من منتج للمعنى إلى ناقل لصدى الآخرين، وفي زمن يُكافئ السطح ويُسرّع كل شيء، يصبح الدفاع عن القراءة ليس دفاعًا عن الكتاب فقط، بل دفاعًا عن القدرة على التفكير العميق، فهل ما زال لدينا مثقفون بالمعنى الحقيقي، أم فقط أشخاص يجيدون الحديث عن كل شيء دون أن يغوصوا في أي شيء…!
*مهندس معماري-خبير
كاتب و مختص في قضايا التعمير و الهوية الحضرية
الكاتب العام لمركز ذاكرة مراكش للتراث و الثقافة