حين تُصبح العربة واجهة للمدينة*: جامع الفنا بين روح التراث ومنطق السوق!

حين تُصبح العربة واجهة للمدينة*: جامع الفنا بين روح التراث ومنطق السوق!

- ‎فيفن و ثقافة, في الواجهة
2910
التعليقات على حين تُصبح العربة واجهة للمدينة*: جامع الفنا بين روح التراث ومنطق السوق! مغلقة

بقلم د.أمين ماكامان

 

في ساحة جامع الفنا، لا يُقاس الزمن بالساعة، بل بالإيقاع.
إيقاع الحكواتي، نداءات الباعة، حلقات الفرجة، وروائح المطبخ الشعبي التي تصعد مع الغروب…هذه الساحة ليست مجرد فضاء تجاري؛ إنها ذاكرة حيّة، صُنّفت ضمن التراث الثقافي غير اللامادي لدى “اليونسكو” ، لأنها تُجسّد فنون العيش والفرجة أكثر مما تُجسّد البيع والشراء.
لكن ما الذي يحدث عندما تُعاد كتابة هذا المشهد بلغة مختلفة؟
حين تتكاثر عربات متنقلة بواجهات عصرية تُحاكي محلات ثابتة، وتفرض حضورًا بصريًا موحدًا، شديد اللمعان، سريع القراءة… وسريع الاستهلاك؟
فالعربة في جامع الفنا لم تكن يومًا مجرد أداة بيع. كانت جزءًا من المسرح المفتوح، خفيفة، مرنة، وقابلة للاندماج في المشهد. أما حين تتحول إلى “واجهة متجر مصغّرة”—بمواد لامعة، إضاءة قوية، وخطاب بصري جاهز—فإنها تغيّر قواعد العلاقة بالمكان إذ أنها :
* تثبّت المؤقت: ما كان عابرًا يصبح شبه دائم.
* تُسطّح التجربة: تُقدّم صورة واحدة بدل تعدد الأصوات.
* تزاحم الفرجة: تُنافس الحكاية بالصورة، والذاكرة بالإعلان.
و هنا، لا نتحدث عن “تطوير” بريء، بل عن تحول في وظيفة الساحة نفسها: من فضاء للمعنى إلى فضاء للاستهلاك.و بمعنى آخر “من الفرجة إلى الاستهلاك”
بحيث أصبحت جامع الفنا ساحة ذات حمولة… وواجهات بلا ذاكرة
فجامع الفنا ليست حيًا تجاريًا تقليديًا. إنها نصّ ثقافي مفتوح.
كل عنصر فيها—من توزيع الحلقات إلى حركة العربات—كان يخضع، ولو ضمنيًا، لمنطق يوازن بين:
* الاقتصاد اليومي
* والهوية اللامادية للساحة
أما العربات ذات الواجهات العصرية فتُدخل منطقًا آخر:
* مواد دخيلة على السياق (معدن مصقول، بلاستيك، ألمنيوم، إضاءات LED…)
* لغة تصميم عالمية لا تُحاور المكان
* تضخم بصري يختزل الساحة في “عرض منتجات”
و النتيجة ليست حداثة، بل تغليب لصورة تجارية على حساب معنى ثقافي.
لسنا ضد التطور… بل ضد الارتجال!
و الاعتراض هنا ليس رفضًا للتحديث.
بل رفضٌ لـ:
* العشوائية في الإدماج
* غياب دليل واجهات خاص بالساحة
* انقطاع التصميم عن المرجعية الثقافية المحلية
إذ يمكن تطوير العربات—نعم—لكن وفق منطق يحترم:
* المواد المحلية (خشب، نحاس، ألوان ترابية…)
* الإيقاع البصري للساحة (عدم التنافس الحاد، احترام الارتفاعات، ضبط الإضاءة)
* قابلية التفكيك والاختفاء حتى تبقى الساحة مسرحًا لا سوقًا دائمًا…!

و التطوير الحقيقي هو الذي يُحاور الذاكرة، لا الذي يستبدلها.
و هنا،مسؤوليات متقاطعة: من سمح بتحوّل المعنى؟
هذا التحول لا يُنسب لفاعل واحد.
إنه نتيجة سلسلة من القرارات واللاقرارات و ذلك من خلال:
* غياب إطار قانوني و معايير دقيقة للواجهات داخل موقع ذي حساسية تراثية،باستثناء بعض قرارات الارتفاق….
* عملية و طرق الترخيص و ضعف في تتبع الانسجام العام.
* حلول جاهزة تُستورد بصريًا دون ترجمة ثقافية.
* تغليب منطق الجذب السريع على حساب السياق الهوياتي .
* السوق والسياحة عبر طلب مرتفع يدفع نحو “توحيد الصورة” لسهولة القراءة والاستهلاك.
* ⁠حضور خافت من المجتمع المدني في الدفاع عن الطابع اللامادي للساحة.

و حين تتقاطع هذه العوامل، تتحول الساحة ببطء من فضاء ذاكرة إلى واجهة عرض.
و من التلوث البصري إلى فقدان المعنى.
فتراكم هذه الواجهات لا ينتج فقط “تشويشًا بصريًا”، بل يخلق:
* تلوثًا بصريًا يرهق العين
* اختلالًا في العدالة البصرية داخل الساحة
* تآكلًا في “الكرامة الحضرية”، حيث تُختزل التجربة في الاستهلاك
وهذا يقوّض ما يمكن أن أسميه بـ *السيادة الجمالية الحضرية*:
و أعني بها،قدرة المجتمع على تنظيم صورته البصرية بما يحفظ توازنه بين الاقتصاد والهوية.

فما العمل؟ نحو عقد بصري خاص بجامع الفنا.
إن إنقاذ المعنى لا يمر عبر المنع، بل عبر التقنين الذكي من خلال :
1. دليل واجهات خاص بالساحة.
يحدد المواد، الألوان، الإضاءة، والارتفاعات، ويمنع تضخم الإشهار…
1. نموذج عربة مرجعي يراعي هوية المدينة.
مستلهم من الحرف المحلية، قابل للتفكيك، يندمج نهارًا ويختفي بصريًا في أوقات مبرمجة لصالح الفرجة.
1. ترخيص مشروط بالانسجام
لا يكفي احترام المساحة؛ يجب احترام الصورة الجماعية.
1. لجنة مشتركة
(سلطات محلية + مهنيون + فاعلون ثقافيون+جمعيات+هيئات مهنية…) لمراجعة أي تدخل جديد داخل الساحة.
1. تثقيف بصري للفاعلين
لأن الجمال هنا ليس ترفًا، بل شرط بقاء المعنى.
كما ان الدفاع عن الهوية المحلية.ليس هو توظيف صناعتنا التقليدية و رموزها بشكل عصري هجين بدون جمالية بصرية!
اذا، لمن تنتمي صورة الساحة؟
و السؤال ليس: هل نُطوّر جامع الفنا؟
بل: بأي لغة بصرية نُطوّرها؟
إذا أصبحت العربات واجهاتٍ تُعلّي التجارة على الفرجة، فإننا لا نُضيف عنصرًا جديدًا فقط، بل نُعيد تعريف الساحة.
وإذا لم يُضبط هذا التحول، فإن ما سيتآكل ليس الشكل وحده، بل الروح التي جعلت من جامع الفنا استثناءً عالميًا.
هل نريد ساحة تُباع فيها الأشياء…؟
أم ساحة تُروى فيها الحكايات قبل إنقراضها ؟
قد يقول زائر: بل،هما معا…
لكن، هل بهذه الكيفية و المعنى…!؟

*مهندس معماري-خبير
كاتب و مختص في قضايا التعمير و الهوية الحضرية.
كاتب عام مركز ذاكرة مراكش للتراث و الثقافة

You may also like

احتقان مهني بمطار مراكش المنارة: مهنيّو سيارات الأجرة يلوّحون بوقفة احتجاجية

خديجة العروسي يشهد قطاع سيارات الأجرة بمحيط مطار