واشنطن بين الرباط والجزائر: براغماتية المصالح أم لعبة التوازنات؟

واشنطن بين الرباط والجزائر: براغماتية المصالح أم لعبة التوازنات؟

- ‎فيسياسة, في الواجهة
5894
التعليقات على واشنطن بين الرباط والجزائر: براغماتية المصالح أم لعبة التوازنات؟ مغلقة

هيئة التحرير

في لحظة إقليمية دقيقة، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كلاً من كريستوفر لاندو، نائب كاتب الدولة الأمريكي، والجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا أفريكوم. ورغم الطابع البروتوكولي المنفصل للزيارتين، فإن تزامنهما في قصر الرئاسة الجزائرية يشي بأن الأمر يتجاوز مجرد لقاءات رسمية، ليعكس توجهاً أمريكياً نحو مزج المسارين السياسي والعسكري في التعاطي مع الجزائر، في سياق إقليمي يتسم بكثير من السيولة وعدم اليقين.

الحضور الجزائري الوازن، بمشاركة سعيد شنقريحة وأحمد عطاف وصبري بوقادوم، يعكس إدراكاً بأن الرسالة الأمريكية متعددة الأبعاد، تجمع بين الأمن والسياسة في آن واحد. فالولايات المتحدة، عبر أفريكوم، تسعى إلى إعادة ترتيب حضورها في منطقة الساحل والصحراء، حيث تتصاعد الاضطرابات في مالي والنيجر، في ظل تراجع النفوذ الغربي التقليدي وصعود فاعلين جدد، فيما يتحرك جناحها الدبلوماسي لاستطلاع مواقف الجزائر من الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها نزاع الصحراء.
تدرك واشنطن أن هذا النزاع لا يمكن فصله عن معادلات الأمن الإقليمي، فهي وإن كانت تميل إلى دعم مقترح الحكم الذاتي كحل سياسي، تحرص في الوقت نفسه على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الجزائر، باعتبارها طرفاً أساسياً في التوازنات المغاربية. وهنا تتضح معالم “اللعبة الأمريكية”، التي لا تقوم على الحسم بقدر ما ترتكز على إدارة التوازن، إذ تحافظ الولايات المتحدة على شراكتها الاستراتيجية العميقة مع المغرب، وفي الآن ذاته تتجنب خسارة الجزائر أو دفعها نحو محاور دولية منافسة مثل روسيا والصين.
هذا التحرك يعيد إلى الواجهة القاعدة الكلاسيكية في العلاقات الدولية: لا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة. فواشنطن لا تتبنى منطق الاصطفاف النهائي، بل تدير شبكة علاقاتها بمرونة عالية، تعزز تحالفاتها حيث تقتضي الضرورة، وتفتح قنوات التواصل حيث تفرض المصالح ذلك، دون أن تغلق أي خيار استراتيجي.
في العمق، لا يبدو أن ما يجري هو تحول مفاجئ، بل هو جزء من إعادة تموقع أوسع في إفريقيا، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع حضور قوى غربية، ومواجهة التمدد الروسي والصيني، ومنع انزلاق المنطقة نحو استقطابات حادة قد تهدد مصالحها الحيوية. وفي هذا السياق، تتحول الجزائر إلى فاعل محوري في هذه المعادلة، بحكم موقعها وثقلها، بينما يظل المغرب شريكاً استراتيجياً ثابتاً ضمن الرؤية الأمريكية.
بين الرباط والجزائر، تمضي واشنطن بخطى محسوبة، لا تبحث عن حسم بقدر ما تسعى إلى إدارة توازن دقيق، يجعل من المنطقة مجالاً مفتوحاً للمناورة. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط ما الذي تريده الولايات المتحدة، بل كيف يمكن لدول المنطقة أن تقرأ هذه البراغماتية وتتعامل معها بما يحفظ مصالحها في عالم لم يعد يعترف إلا بلغة القوة والمصالح.

You may also like

عبد الرحمان وافا: الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان رافعة لإصلاح عميق وتعزيز الحكامة الترابية

طارق أعراب أكد عبد الرحمان وافا، المستشار البرلماني