هيئة التحرير
حين ننظر اليوم إلى وضعية السدود في المغرب، يتضح أن الجفاف ليس سوى جزء من المشكلة، أما جوهر الأزمة فيكمن في اختيارات استراتيجية خاطئة وتأجيلات مكلفة. فالماء لم يكن يوماً ملفاً طارئاً أو ظرفياً، بل قضية بنيوية مرتبطة بخصوصية بلد يعرف تاريخياً دورات متكررة من الجفاف. ومع ذلك، جرى التعامل معه بمنطق الانتظار، وكأن الزمن قادر على تعويض غياب القرار.
قبل ما يقارب خمسة عشر عاماً، كان مطروحاً مشروع وطني طموح عُرف بـ“الطرق السيارة للماء”، يقوم على ربط الأحواض المائية الغنية في الشمال، مثل سبو واللوكوس، بالأحواض التي تعاني خصاصاً مزمناً في الوسط والجنوب، كأبي رقراق وأم الربيع وتانسيفت. كان المشروع رؤية استباقية تستشرف المستقبل، لكنه ظل حبيس الوثائق والدراسات، ولم يجد طريقه إلى التنفيذ.
في سنة 2010، وُضعت أمام صانع القرار ثلاثة مشاريع كبرى: الطرق السيارة للماء، القطار فائق السرعة، والطريق السيار مراكش–أكادير. آنذاك، جرى تفضيل الاستثمار في بنيات النقل الثقيلة، وتأجيل ملف الماء بدعوى أنه غير مستعجل. قد يكون هذا الاختيار مفهوماً في سياق لم تكن فيه أزمة الجفاف خانقة، غير أن التجربة أثبتت لاحقاً أن هذا المنطق كان قصير النظر، لأن المغرب لم يكن يوماً في منأى عن المخاطر المائية.
اليوم، تظهر نتائج تلك الاختيارات بوضوح مؤلم. فسـدّ المسيرة، الذي يشكل شرياناً حيوياً لمراكش والحوز ولمساحات فلاحية واسعة، لم تتجاوز نسبة ملئه حوالي 14 في المائة. في المقابل، تشهد مناطق في الشمال، مثل القصر الكبير، فيضانات متكررة، فيما تُفرغ مياه سد الوحدة في وادي سبو لتصب في البحر دون استثمار. مفارقة صارخة: وفرة مائية تُهدر في جهة، وعطش خانق يهدد الاستقرار في جهات أخرى.
الربط الاستعجالي الذي أُنجز مؤخراً بين حوض سبو وسد سيدي محمد بن عبد الله شكّل طوق نجاة لمحور الرباط–الدار البيضاء، لكنه كان في الوقت ذاته دليلاً عملياً على صحة فكرة ربط الأحواض المائية منذ البداية. فقد أظهر هذا التدخل المحدود ما كان يمكن تحقيقه لو تم اعتماد رؤية شمولية منذ سنوات، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية تفرضها الأزمات.
لو تم تنفيذ مشروع “الطرق السيارة للماء” في وقته، لكان فائض الشمال اليوم يغذي سدود أم الربيع وتانسيفت، ويعيد التوازن للفرشات المائية، ويدعم الفلاحة، ويخفف من حدة التوترات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بندرة المياه. حينها، كان المغرب سيجد نفسه في موقع تدبير استباقي للأزمات، لا في موقع رد الفعل المتأخر.
الخطأ لم يكن في تشييد القطار فائق السرعة أو الطرق السيارة، فهذه مشاريع تنموية مشروعة، لكن الإشكال الحقيقي تمثل في غياب التوازن بين الأولويات. فالماء ليس ملفاً تقنياً معزولاً، بل قضية سيادة وطنية، وأمن غذائي، واستقرار اجتماعي. وقد أعادت سنوات الجفاف الأخيرة التذكير بحقيقة واضحة: المغرب عرف الجفاف في الماضي، وسيعرفه مستقبلاً، لكن الفارق يكمن في مدى الاستعداد له.
إن الدرس اليوم صار جلياً: التخطيط الاستراتيجي لا يحتمل منطق التأجيل، والاستثمار في الماء ليس خياراً ثانوياً ولا ترفاً تنموياً، بل ضمانة أساسية للمستقبل. فثمن الانتظار دائماً أعلى، والوطن هو من يدفع فاتورة سوء التقدير، قطرة بعد أخرى.