الرباط – تحـليل: نورالدين بازين
الخطاب الملكي أمام البرلمان.. خريطة طريق جديدة للمغرب الصاعد بين العدالة الاجتماعية وتغيير العقليات
في افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة من الولاية البرلمانية الحالية، وجّه جلالة الملك محمد السادس خطابًا ساميًا حمل في طياته نبرة واضحة من الواقعية والمسؤولية، وأعاد ترتيب أولويات العمل السياسي والتنموي بالمغرب على أسس جديدة قوامها العدالة الاجتماعية والمجالية، وفعالية الأداء المؤسساتي، وتعبئة الطاقات الوطنية من أجل “المغرب الصاعد”.
أولاً: سنة أخيرة.. واختبار الجدية
جاء الخطاب الملكي مفعمًا برسائل مباشرة إلى البرلمان، في لحظة دقيقة تسبق استحقاقًا انتخابيًا جديدًا. فقد دعا جلالته البرلمانيين إلى التحلي بروح الجدية والمسؤولية في ختام ولايتهم، واستثمار السنة التشريعية الأخيرة في العمل الميداني لا في الحسابات السياسية الضيقة.
الرسالة الملكية هنا واضحة: المواطن لم يعد ينتظر الوعود، بل ينتظر النتائج. فلا مجال لتكرار الشعارات أو التسويف في تنزيل المشاريع.
ثانياً: ربط التنمية بالعدالة الاجتماعية
أكد جلالة الملك أن العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية ليست شعارًا عابرًا، بل توجّهًا استراتيجيًا دائمًا.
الخطاب الملكي ربط بين التنمية الترابية والعدالة الاجتماعية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة. فالتنمية، في الرؤية الملكية، لا يمكن أن تُقاس بعدد الطرق أو المشاريع المادية فقط، بل بمدى إنصافها للمناطق الهشة والجبلية والقروية التي ما تزال تعاني التهميش رغم جهود الدولة.
ثالثاً: دعوة لتغيير العقليات قبل تغيير القوانين
في تحول لافت في لغة الخطابات الملكية، شدد جلالته على أن التحول الحقيقي نحو “المغرب الصاعد” يتطلب تغييرًا في العقليات وثقافة التدبير أكثر من مجرد إعداد قوانين جديدة.
هذه إشارة إلى أن الإشكال لم يعد في النصوص، بل في عقليات بعض المسؤولين الذين لا يزالون يشتغلون بمنطق البيروقراطية القديمة بدل منطق النتائج والنجاعة.
الملك، هنا، يطالب بنخبة جديدة تؤمن بـ”ثقافة النتائج” وبالعمل الميداني الملموس، مستندة إلى المعطيات الرقمية والواقعية وليس على الخطابات السياسية الكلاسيكية.
رابعاً: تنمية المجالات الهشة والساحلية.. رؤية متكاملة
أعاد الخطاب الملكي التركيز على المناطق الجبلية والواحات، داعيًا إلى سياسة عمومية مندمجة تراعي خصوصياتها.
كما شدد على ضرورة التفعيل الجاد للقانون المتعلق بالساحل لحماية الثروة البحرية من الاستغلال العشوائي، وتحويلها إلى رافعة اقتصادية في إطار “اقتصاد بحري وطني” منتج لفرص الشغل.
بهذا، رسم جلالته خريطة تنموية شاملة من الجبل إلى الساحل، ومن القرى إلى الحواضر، في إطار عدالة مجالية حقيقية.
خامساً: لا تسامح مع هدر الوقت والمال العام
من أقوى فقرات الخطاب تلك التي حذر فيها جلالة الملك من الممارسات التي تضيع الوقت والجهد والإمكانات، معتبرًا أن ضعف مردودية الاستثمار العمومي أمر “غير مقبول”.
وهنا، يمكن قراءة الرسالة كتنبيه مباشر إلى الحكومة والمؤسسات العمومية بضرورة تسريع وتيرة الإنجاز وضبط الكلفة والنتائج، لأن المواطن يقيس الثقة في الدولة من خلال سرعة وجدوى المشاريع على الأرض.
سادساً: دعوة إلى تعبئة وطنية شاملة
اختتم جلالته خطابه بدعوة الجميع — حكومة وبرلمانًا، أغلبية ومعارضة — إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا على الصراعات الحزبية الضيقة، في سياق وطني ودولي يحتاج إلى وحدة الصف الداخلي.
فالملك تحدث بوضوح عن “تعبئة كل الطاقات” لخدمة الوطن، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية واقتصادية كبرى، تتطلب من المغرب أن يواصل السير بثقة في طريق “المغرب الصاعد”.
يمكن القول إن خطاب 10 أكتوبر 2025 ليس مجرد افتتاح لسنة تشريعية، بل هو تقييم مرحلي لخمس سنوات من العمل البرلماني والحكومي، وإعلان عن مرحلة جديدة تؤسس لمغرب أكثر عدلاً ونجاعة.
الرسالة الجوهرية: من لا يشتغل بعقلية النتائج والانفتاح الرقمي والتدبير الفعّال، سيبقى خارج مشروع المغرب الصاعد الذي أراده جلالة الملك.