الماء والاقتصاد في تاريخ سوس: الدولة السعدية وصناعة السكر خلال القرن 16م/ 10هـ الحسن إدوعزيز*

حرر بتاريخ من طرف

الجزء الرابع: مظاهر اهتمام السعديين بصناعة السكر
– شق قنوات السقي واستغلال المجال الغابوي
كانت هذه السواقي عديدة وتمتد لمسافات طويلة تقدر بمئات الكيلومترات في بعض الأحيان، وكانت تستغل مياه وادي سوس في سقي المزارع استغلالا مفرطا. فقد توصلت بعض الدراسات إلى أن صبيب بعض قنوات الريّ كان يتراوح بين 100 و250 لتر في الثانية (Paul. Berthier). كما أن استغلال المجال الغابوي لشجر الأركان بالمنطقة كان مهما أيضا، وذلك للحصول على الأخشاب، التي تستعمل لصناعة الأجفان والنواعير وغيرها، وللتزود بالحطب، الذي كان يستعمل وقوداً لتصفية مادة السكر، ولرعي الدواب الكثيرة التي كانت تستخدم في عملية نقل المنتوج.
– الاستعانة بالخبراء والتقنيين الأجانب:
استعان السعديون بالخبراء الأجانب لتطوير قطاع السكر بسوس؛ سواء منهم التقنيون والمهندسون الذين أشرفوا على إنجاز المشروع اعتماداً على تقنيات حديثة ومتطورة بالنسبة لذلك العصر، أو أولئك الذين أُوكلت لهم مهمة الإدارة، أو الوكلاء التجاريون الذين عملوا على تسويق الإنتاج. حيث يشير “أنطونيو دي صالدانيا” بأن المسيحيين الأوربيين واليهود الأندلسيين بصفة خاصة هم الذين كانوا يلعبون دوراً كبيراً في إدارة الإنتاج وتسويقه. ولعل ذلك نفسه ما أورده “عبد العزيز الفشتالي” مؤكدا بأن جل الوحدات الإنتاجية كانت إبانئذ قد «قُطعت معاقدة الكراء فيها… لطائفة من أهل الذمة»، مقابل مبالغ سنوية هائلة؛ وذلك لخبرتهم بتدبير رؤوس الأموال، على ما يبدو، وعلى حد تعبير الأستاذ كريم عبد الكريم. كما أن “الشريف السعدي” (أحمد المنصور)، وسعيا في دعم علو شأنه والنهوض بتجارته، كان يكاتب ملكة إنجلترا وبلاد الفلامينك وفرنسا وايطاليا واسبانيا، ملتمسا من الجميع أن يبعثوا له بما كان مفضلا عندهم على كل شيء من العمال، والماهرين بكل الصناعات… فيبعثون له بهم، ويتقربون إليه لشدة سخائه في كل شيء، كما يضيف “دي صالدانيا” الذي يعضده ما استنتجه الأستاذ “أحمد بوشرب” مما ورد في اعترافات بعض المعتقلين البرتغاليين أمام محاكم التفتيش البرتغالية، منتصف القرن السادس عشر، من إفادات دالة على انتقال بعض الخبراء البرتغاليين من “ماديرا” إلى “رأس غير” (أكادير حاليا) لتطوير صناعة السكر بسوس.
– الإعتماد على يد عاملة كثيرة جداً
وكانت هي الأخرى أجنبية في غالبيتها العظمى، ومشكلة بالأساس من العبيد الأفارقة. فقد جاء في بعض المصادر أن أعداد اليد العاملة ببعض المعاصر بمدينة”شيشاوة” مثلا، في عهد المنصور، كانت هامة جداً، حتى إنه كان «إذا ألقيت عصا التسيار بمعصرة منهما رأيت مجمع الورى وأول الحشر وقرية النمل وكورة النحل ومدرج الذر لكثرة ما ضمت من العمَلة وحشَرت من الخلق…»كما يصف الفشتالي في موضع آخر.
– المراهنة على مساهمة المشروع السكري في إغناء الخزينة السعدية
فقد جنى “المخزن السعدي” من هذا المشروع عائدات مالية مهمة للغاية. ذلك أن الإكثار من المعاصر السكرية؛ كان بقصد الإكثار من الخراج وتعزيز جبايات الدولة، والاستفادة، بالتالي، مما تسمح هذه الجبايات والضرائب بانجازه من مشاريع ومنجزات. فعوائد السكر كانت مضمونة بالقياس إلى أنواع الجبايات والضرائب الأخرى، التي كانت مفروضة على السكان. ولعل هذا ما أشار إليه “عبد العزيز الفشتالي”، مؤرخ الدولة السعدية، مرة أخرى بقوله : ”وناهيك من إمام يستنتج بسديد رأيه وصالح تدبيره ولطيف توليده هذا القدر من الخراج الوافر الذي لا يزال بيت المال هنيئا بمرى أخلافه مع الأيام إن شاء الله بباب دار الملك وعلى عتبة حضرة الخلافة عفوا من غير احتياج إلى ما تحتاج إليه الجباية من تجهيز العساكر المعينة على انتزاع نواجدها وهو اليوم أيده الله بصدد استحداث ثالثة لصق أختها بشوشاوة قوى العزم على الاستكثار من المعاصر حتى ينموا العدد ويتضاعف الخراج كمل الله تعالى مقصده وثبت قواعده وأجرى على ما فيه صلاح المسلمين مصادره وموارده”. والمؤكد بأن السكر المغربي كانت تتم مقايضته بمواد وسلع أجنبية كثيرة من أبرزها “الرخام”، الذي كان المنصور في حاجة إليه بكميات كبيرة لبناء قصر البديع. وذلك ما يتضح عند المؤرخ “محمد الصغير اليفراني” الذي أشار بأن هذا السلطان قد: «جلب له الرخام من بلاد الروم (إيطاليا خاصة)، فكان يشتريه منهم بالسكر وزْناً بوزْن». مما يؤكد على أن مشروع السكر السعدي كان مربحاً للغاية من الناحية المادية والاقتصادية، وكان يستحق كل تلك التضحيات التي بذلها أولئك السلاطين من أجله، وخصوصا منهم “أحمد المنصور الذهبي”.
وتشير بعض الأبحاث أن التجار الأوربيين، والإنجليز خاصة، كانوا يتوافدون على المغرب بكثرة، من أجل مقايضة السكر المغربي بالأسلحة وذخائر الحرب، وفي بعض الأحيان، بالذهب أيضا. بل كانوا يقتنون كل ما يُنتج منه بضعف ثمنه، زيادة عما يُفرض على تصديره من الضرائب؛ فيُساهمون في تنمية بيت المال السعدي بأكثر من مليونين سنويا (دي صالدانيا) ؛ لدرجة أن بعض الأوساط، ببلدانهم، اتهمتهم بأنهم يحرمون، بذلك، ملكة بلادهم من الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات، وبأنهم يدمرون صناعة المنسوجات الأنجليزية (Paul. Berthier).
وعموما، فبالإضافة لكل هذه المزايا، كان لمادة السكر فوائد أخرى كثيرة غير مباشرة. فهي لم تكن مجرد سلعة استهلاكية فقط، بل كانت تستعمل لعلاج عدة أمراض، كما كانت سلعة إشهارية للمغرب، بفضل غزوها أنذاك للكثير من أسواق أوربا عامة، وإنجلترا وبلاطاتها الملكية بالخصوص، حتى أن إدارة مخازن الملكة إليزابيت الأولى، كانت تحرص بنفسها على استيراد الأنواع الجيدة من السكر المغربي. على اعتبار أن مادة السكر كانت تُعتبر، منذ العصور الوسطى، مادة كمالية رفيعة (denrée de luxe)، لا يقدر عليها إلا المترفون، ولا تستهلك إلا في المناسبات العزيزة….
…يُتبع
*طالب باحث في التاريخ

إقرأ أيضاً

التعليقات

Leave a Reply