جامعة العُرب

حرر بتاريخ من طرف

 

الدار البيضاء: عبد الوحيد خوجة

ذلك الطفل الذي كنت، آتاني مرة.

مثقل الخطو أمشي أحاول أن أطرد ما فعله الزمان في الجسد.

“أيها الطفل الذي كنته تقدم، ما الذي يجمعنا الآن وماذا سنقول”، هكذا يحثني على المشي صوت الشاعر أدونيس المنبعث من آلة التسجيل.

مثقل الخطو أسير دون هدي والوقت صباحا، برودة منعشة تستفز بعضا من الطيور التي تشبثت بالحديقة رغم ما فعله الزمان والناس بالمكان.

الحديقة / الجامعة، تساءلت عن الجامع بينهما بالرغم من البعد الجغرافي، تراءت لي حروف منقوشة فوق رخام، حديقة الجامعة العربية، أحالتني الكتابة على مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة.

الحديقة، حديقة البيضاء التي تحمل اسم الجامعة العربية شيدت في بداية القرن الماضي، يقول التاريخ، من قبل مهندس يسمى ألبير لابراد، صممها على شكل حدائق باريس الجميلة.

الجامعة العربية، التجمع وليس الحديقة، أنشأت في بداية الأربعينيات من القرن الماضي انطلاقا من إرادة بريطانية عبر عنها آنذاك وزير خارجيتها أنطوني إيدن.

هي مفارقة إذن، فرنسي ينشأ حديقة بالبيضاء وإنجليزيا يخلق جامعة عربية في القاهرة.

يمضي الوقت متثاقلا بتناغم مع ثقل خطاي، تستفزني رائحة الفضلات الملقية في كل مكان. عشب طفيلي ينبت زهرا فوضويا يعاني من قوة الإهمال.

حديقة هجرها الحمام واليمام وسكنتها الكلاب والقطط الضالة وبعض من المشردين، يعيشون بعيدين عن حياتهم.

انتابني شعور بالزهو وأنا أدخل مقر جامعة الدول العربية في نهاية التسعينات من القرن الماضي، تمعنت كثيرا آنذاك في الأماكن وتذكرت صولات وجولات الزعماء العرب، العرب ظاهرة صوتية كما قال القصيمي، هنا كانت تجري المعارك الكلامية.

تذكرت وكررت غير ما مرة وأنا أدخل بابها الواسع العريض مقطعا من قصيدة فدوى طوقان الفلسطينية، بلاد العرب أوطاني. ربما حبا في الوطن العربي أو لأنها ذكرتني بتطوان.

في ركن من أركان الحديقة/ حديقة البيضاء حل طائر غريب لا يغرد ولا يغني، يصدر نعيقا غريبا لا يشبه الحمام في شيء ولا اليمام، لا يهاجر ولا يسافر، لصيق بالمكان خارج الزمان، اختار ركنا قريبا من حديقة تسلى فيها أطفالنا في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن يحل بها الخراب.

الركن قريب من منزل سكنه المارشال اليوطي، وقفت أشاهد ما يخلفه هذا الكائن العجيب من أوساخ على الشارع وعلى مسكن اليوطي سابقا، هو هنا عن سبق إصرار وترصد ربما انتقاما من المارشال.

رجل لفظه الزمان، في يده قنينة خمر رخيص، يترنح يمنة ويسرة، استفزه طول وقوفي وإمعاني في الطير فوق الشجر فهم حيرتي فقال دون أن أسأله :” إنه طائر هجر البادية واختار المدينة لأنه يقتات من المزابل، يسميه أهل البادية بطائر البقر”. قلت وما شأن البقر بالبيضاء في هذا المكان الفسيح، اعتدل في وقفته وأخذ من قنينته جرعة ثم قال “إنها الدار البيضاء تسع لكل شيء”.

تذكرت جامعة القاهرة وتساءلت هل للغراب مكان فيها مع يقيني بأن لا فرق بين الطائرين، كلاهما يحيل على الخراب.

شارع فسيح يقسم الحديقة نصفين، وسط أشجار مهملة قاعة صغيرة مكتوب على لوحتها “قاعة عبد الصمد الكنفاوي” تذكرت الرجل وكتاباته المسرحية المتميزة اعتزل المسرح واصطادته الإدارة لتقتل فيه كل ما هو جميل.

مات الرجل ونسي كما تنسى المعاطف البالية في الأدراج، قليلون من يتذكر مسرحيته “سيدي بوكتف”.

على بعد عشرات الأمتار من هنا، كان هناك مسرح دكته السلطات المحلية دكا دون أن تترك له أي أثر، عرف صولات مبدع آخر، رفيق الكنفاوي في رحلته الباريزية، الطيب الصديقي الذي غيبه المرض فأعرض عن الناس، اقترن المسرح البلدي باسمه، أعطى ما لم تعطه اليوم أكثر من خمسة مسارح موزعة على أحياء البيضاء، اختارتها القطط ملجأ لها.

غير بعيد من ميدان التحرير هناك في القاهرة تنتصب الأعلام بكل الألوان، أعلام كبيرة لعالم أصبح اليوم ممزقا، عالم عربي يمتد من البحر إلى البحر يموت في بعض أقطاره الناس فرادى وجماعات بدون أي سبب.

وسط الحديقة مضمار رياضي أعطى للمغرب أكثر من ميدالية ذهبية، لاشيء اليوم يذكر بمجد هذه المعلمة، أزبال، خراب، أكواخ أصبح مكانا كالأمكنة المهجورة يعمه المشردون والكلاب والقطط الضالة.

تيه مفاجئ بداخلي، لاشيء، إلا صوت الموسيقى ينبعث من سماعة آلة التسجيل تذهب عن النفس قنوطها.

شاب يمسك فتاة يخبئها وراء شجرة، أتحاشى النظر إليهما، غير بعيد أسراب الطيور الناعقة تصبغ على الإسفلت لون فضلاتها.

سيارة نقل الموتى تقطع شارع الحديقة تصدر صوتا حادا، تمر دون أن يكترث أحد بها أو من بداخلها، تصادف مرورها وصوت درويش يكرر في أذني….”الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء”.

قوي وماكر هو الموت اصطاد محمود درويش في لحظة ضعف في بلاد أمريكا، تجرأ لحظة إبداع فهاجم الموت فانتقم منه الموت مرتين، الأولى عندما أزهق روحه دون إنذار مسبق والثانية جاءه وهو في مستشفى أمريكي، ودرويش الذي كرر أمام العرب جميعهم بأن “أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا”.

مضت ساعة أو أكثر، تتجاذبني المشاهد والشعر و تطوان واليمن والسكون.. وأنا عائد من حيث أتيت جاءني من داخلي من بقايا ذاكرتي صوت الشاعر العراقي مظفر النواب وكأنه عاش ليشاهد الدمار الذي حل بالشام وبلاد الرافدين واليمن وليبيا ليقول مرة أخرى :

“هذه الأمة لابد لها أن تأخذ درسا في التخريب”.!

كاتب مغربي

إقرأ أيضاً

التعليقات

Leave a Reply