الاتحاد الاشتراكي: انتفاضة برؤية مستقبلية

 

محمد بوبكري
لا يحدث التغيير داخل أي حزب أو أي تنظيم آخر بمجرد أن يتمرد أعضاؤه على الوضع القائم داخله، بل يجب أن يمتلكوا رؤية مستقبلية لما ينبغي أن تكون عليه المؤسسة مستقبلا حتى يمكنهم الانتقال إلى وضع جديد مناقض للوضع القائم وأفضل منه. كما ينبغي أن تكون كل أساليب الانتقال ووسائله منسجمة من حيث طبيعتها مع هذه الرؤية المستقبلية. وهذا ما يعيه الاتحاديون المنتفضون ضد انحراف الزعامة الحالية وتسلطها على الاتحاد الاشتراكي وتفتيتها لتنظيماته…
تكمن أزمة هذا الحزب في أن فكر زعامته وممارساتها يدلاَّن على أصولية بنيتها العميقة ونمط تفكيرها وعلاقاتها الداخلية والخارجية. وهذا ما جعلها محكومة بعقلية طُفَيْلِية عاجزة عن الإبداع والإنتاج الفكري والتأطير والانتشار في المجتمع لأنها تجهل ذلك، ولا تعي قيمته، ولا تعرف إليه سبيلا، وبالتالي فهي تكرس ذاتها لأنشطة غير مشروعة تتجسد في استغلالها لمواقعها الحزبية لممارسة التجارة والمضاربة السياسية بهدف الاستفادة من الريع المادي والسياسي والسطو على ما ليس لها… وهذا ما أصابها بالعمى الذي يتجلى في ردود أفعالها العنيفة على كل المناضلين، وعلى كل من ينصحها أو يعترض على ممارساتها. وقد يؤدي ذلك إلى إفراغ الحزب من مضمونه وانقراضه، كما أنه قد يجرُّها، عن حق، إلى “فندق عكاشة” بالبيضاء دون أن تجد من يتضامن معها، أو يتأسف على ما سيحصل لها. لقد أصرَّت على معاداة كل المبادئ والقيم الإنسانية، وأصبحت عدوّة لنفسها، فشرعت في تعبيد طريقها للانتحار قريبا…
لذلك فالاتحاديون لا يمارسون التمرُّد على هذه الزعامة؛ فهم يميزون بين التمرد والحراك العقلاني المفضي إلى التغيير الجذري. فالتمرُّد لا يفضي إلى هذا الأخير، لأنه يكتفي بالتوجه إلى بعض جزئيات الواقع الفاسد وينتفض ضدها، لكنه لا يرقى إلى مستوى التغيير الجذري الذي يروم تحويل الوضع السيئ برمته. فالتغيير الجذري لا يرمي إلى تغيير أشخاص بأشخاص، وإنما يهدف إلى إحداث تحوُّل عميق وشامل، حيث إنه أساسا تغيير للفكر والثقافة المهيمنين على الزعامة السياسية الحالية وهياكلها ومن يدور في فلكها، ما يستلزم رؤية مستقبلية ترفض الوضع القائم وتٌطَوِّر بديلا عقلانيا له يستجيب للمرحلة التاريخية عبر تطوير أجوبة على أسئلتها…. بما يفضي إلى تطوير عقد اجتماعي حزبي جديد يدخل ضمن هذه الرؤية المستقبلية التي ترفض الوضع القائم المأزوم الذي يتعارض مع التنوير والديمقراطية، حيث يتحكم الزعيم في الحزب كله لأنه يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وهو وحده الكفيل بإدارة شؤونه… وهذه ظاهرة من الثابت أنها مرَضية، لأن كل الزعماء السياسيين في تاريخ البشرية الذين وصلوا إلى هذا الاعتقاد يضعون نهاية لأنفسهم بأنفسهم، حيث يصابون بالتدهور الذي يٌحوِّلهم مع مرور الوقت إلى عدم. فعندما اعتقد ستالين وزعماء آخرون من بلدان وأجناس وأزمنة مختلفة أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، انفردوا بكل شيء في حياة بلدانهم، فحكموا على أنفسهم بالفناء. وإذا كانت قوة المجتمع تكمن في دمقرطته، فإن كل مجتمع في حاجة إلى نظام ديمقراطي. لذلك فمن أولى الأولويات بالنسبة إليه أن تكون له أحزاب وتنظيمات مدنية ديمقراطية لكي تتوفر له الشروط لبناء المجتمع والدولة ديمقراطيا. لكن الديمقراطي لا يدَّعي أبدا امتلاك الحقيقة المطلقة، لأن ذلك يوقعه في إقصاء الآخرين الذين يحملون أفكارا مختلفة عن أفكاره، فيصاب بوباء عدم الاعتراف بالآخر، ويزج بنفسه في ممارسة الاستبداد والطغيان… فالديمقراطية تقتضي أساسا التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق، ما يفيد أننا عندما نحلل ظاهرة اجتماعية مَّا، يجب على تحليلنا لها أن يكون نسبيا، كما يتعين على الحلول التي نقترحها لإنهاء مشكلاتها أن تكون نسبية أيضا. ويعني ذلك أن هذه الحلول تكون مؤقتة، إذ من الممكن أن تتغير مع الوقت بحلول أخرى لأن التغيٌّر والتحوٌّل من طبيعة الحياة وسُنَّتها…
وإذا كانت الديمقراطية تقتضي العمل بنظرية العقد الاجتماعي، فذلك يعني أن المجتمع من صُنع البشر، ما يفيدُ أن الزعيم لا يستطيع أن يدَّعي أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. وقد برهن فكر عصر التنوير على أنه لا سلطان على العقل إلا العقل ذاته الذي هو سلطان نفسه، إذ إنه يمتلك القدرة على توجيه النقد لذاته وتجاوزها باستمرار. كما أن الليبرالية تعني أن للفرد سلطانا أقوى من سلطان المجتمع، وهو ما تم التعبير عنه بحقوق الإنسان. أضف إلى ذلك أن الثورة المعلوماتية قد أدت إلى اختفاء المسافة زمانيا ومكانيا، ما غَيَّر علاقة الذات بذاتها وبالآخر وبالزمان والمكان، فانتقل الشباب إلى ممارسة السياسة عبر “الفايس بوك” وغيره من شبكات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية الأخرى التي لا تخضع للرقابة، حيث تشكل نافذة للفرد لمعرفة ما يجري محليا وعالميا، ففسحت المجال أمامه للتمتع بنوع آخر من الحرية يٌمَكِّنه من تبادل الرأي والتفاعل مع الآخر المتعدِّد، مما يساعد على تشكيل رأي عام… ومن الأكيد أن الثورة المعلوماتية ستُدخل تحوُّلا جذريا على الممارسة السياسية، إذ سيتم تجاوز الأساليب والتنظيمات التقليدية التي تعتمدها حاليا الأحزاب ومؤسسات الدولة التي لا تأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات العميقة التي يعرفها عصرنا الحالي، ما قد يُخرج هذه المؤسسات من التاريخ، حيث ستفقد أي إمكانية للاستمرار إذا ما بقيت متمسكة بأساليبها العتيقة المعارضة للتحديث والديمقراطية…
وهذا ما لا تدركه الزعامات السياسية في بلادنا التي لم تستطع الانخراط في روح العصر، فاتخذت الاستبداد أسلوبا للتحكم في مؤسساتها، ما دفع المناضلين والمواطنين لمواجهتها عبر كشف تسلٌّطها وفسادها، وتطوير رؤية مستقبلية تروم التخلص من فكرها وممارستها وأساليبها التنظيمية… وبناء مشروع جديد اشتراكي ديمقراطي يجيب على أسئلة المرحلة التاريخية الحالية ويؤهل لتجاوز مشكلات الحاضر والانخراط في المستقبل…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *