من خزانة الذكريات 90

0 183

مريم التيجي

.. كانت قراءاتي لسنوات طويلة، والمواعظ والدروس التي تشكل وعيي وعلاقتي بالله وبنفسي وبالناس لا تخرج عن دائرة الكتب السلفية القديمة، والكتب الحديثة التي تدور في فلكها، مثل كتاب “رياض الصالحين” و”سيرة ابن هشام” و”منهاج المسلم” و…غيرها، بالإضافة الى كتب و أدبيات الاخوان المسلمين القادمة من سوريا أو من مصر.
وحتى عندما بدأت أعود للقراءة الأدبية التي انقطعت عنها بعد “التزامي”، عدت من باب “الأدب الاخواني” الذي كنا نسميه ب”الأدب الإسلامي” .
فالتهمت كل قصائد عمر بهاء الأميري، و روايات نجيب الكيلاني في البداية، بالإضافة الى قراءات لأسماء أخرى لا أذكرها الآن، لكنها لم تكن تخرج عن نفس الدائرة.
إلا أن رياح الانفتاح هبت في حياتي وفي حياة العديد من الشباب والشبات الذين كنت أتقاسم معهم نفس التنظيم في ذلك الوقت.
بعض “الاجتهادات المعاصرة” تلقفناها من المشرق، واحتفلنا بها، وناقشناها طويلا، وبعضها جاء من تونس والسودان. فتنوعت قراءاتنا، وتوسعت الدائرة بشكل ملحوظ.
وكان من الطبيعي أن يتأثر التنظيم ،الذي كان يبني تصوراته، بهذا الانفتاح، الذي عبرت عنه بصفة خاصة تلك الدورات التكوينية، التي كان يخصص لها يوما كاملا في الغالب.
مع تزايد وثيرة تلك الدورات، بدأت تتسلل الى منصاتها وجوه غير قيادية، كانت تحمل خطابا جديدا يشد أنفاسنا ويقود أفكارنا الى مدارات جديدة علينا تماما.
وفي هذا السياق، تختلط في ذاكرتي الدورات التي تلقيتها في “القطاع النسائي العام” الذي كان تنظيما موازيا للتنظيم الرسمي الذي لا يضم غير الرجال، وكان تحت الاشراف المباشر للقيادة الوطنية . وتلك الدورات التي تلقيتها في “القطاع الطلابي” الذي كان يجمع الطلبة والطالبات، وكانت أغلب انشطته مختلطة، باستثناء “الجلسات التربوية” التي ظلت وربما الى اليوم، غير مختلطة.
هذا التداخل، ناتج عن كوني قضيت فترة انتقالية ، احتفظت فيها بمسؤولياتي وتواجدي داخل “القطاع العام” في نفس الوقت الذي كنت قد التحقت فيه بشكل رسمي وبحكم الواقع ب”التنظيم الطلابي”.
لكني أتذكر أن “تكويننا” في البداية كان تحت اشراف شخصين فقط هما عبد الاله بنكيران، الذي كانت تتم كل اللقاءات في بيته، والمرحوم عبد الله بها.
بعد ذلك ستتسع المساحة الزمنية وتتعدد الوجوه، لتصبح لدينا قائمة من “القيادات” التي تتناوب على المنصات، و التي تتنوع تخصصاتها مثل سعد الدين العثماني (تأصيل الفقه الدعوي. فقه الحوار. فقه المشاركة السياسية..) عز الدين توفيق ( دروس تربوية وعظية)، محمد يتيم (العمل الاسلامي والاختيار الحضاري) ، المقرئ الادريسي أبو زيد (التجربة الاسلامية التركية، الحركة الاسلامية في السودان، الجهاد الافغاني…)، أحمد العبادي (كان من الاوائل الذين دشنوا خطابا دينيا تجديديا من خلال دورات تتناول التراث الديني) ، الامين بوخبزة (دورات تربوية ذات طابع وعظي تقليدي) ….بعد ذلك ستلتحق وجوه شابة بمنصات التكوين مثل عبد العزيز الرباح، توفيق ميكو، عبد الصمد السكال، محمد العربي، فريد شكري..
في الوقت الذي كانت أغلب التكوينات تتوزع بين الجانب التنظيمي والجانب السياسي والتاريخي والوعظي، فإن شخصين كان لهما تأثير كبير على الشباب في التنظيم، بشكل مختلف وفي اتجاهين مختلفين .
كان الشخص الأول هو المقرئ الادريسي أبو زيد، الذي كان ذاكرة تاريخية مبهرة بخطابتها وبالكم الهائل من التفاصيل الدقيقة والتواريخ والمحطات التي كان يبثها في كل محاضراته، التي كانت تستمر ساعات طويلة ومتواصلة.
بينما كان الشخص الثاني أكثر هدوءا وأقل صخبا، لكنه أدخل وبقوة مفهوما جديدا لم نسمعه من قبل، رغم أنه فتح ما هو أكبر من مجرد كوة في جدار سميك.
كان هذا الشخص هو فريد شكري، الذي ارتبط في ذاكرتي بمفهوم “مقاصد الشريعة”.
لم تكن كل قيادات التنظيم الذي غير اسمه من “جمعية الجماعة الاسلامية” الى “حركة الاصلاح والتجديد” راضية عن تلك الرياح الجديدة.
حيث أن المفارقة التي أشعر الآن أن الحركة وقعت فيها، هي أنها كانت متحمسة للتجديد، لكنها كانت تنتظر منه ثمارا سياسية فقط، وهذا ما يفسر المسار الذي سارت فيه الأمور فيما بعد.
وفي المقابل لم تكن مستعدة لتحمل تبعاته في مجالات أخرى التي قد تغير جملة وتفصيلا “توابث دينية” .
ولأن النوافذ عندما تفتح لا يمكن التحكم في الرياح التي تهب منها، كان من الطبيعي أن تحدث توترات بين الفينة والاخرى بين القيادات التقليدية، وبين الشباب ممثلا في القطاع الطلابي الذي ركب أحيانا موجة الانفتاح أكثر مما كان منتظرا…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.