علاقة الانتحار والأمراض النفسية مع المناسبات الدينية؟

0 230

بقلم الدكتور جواد مبروكي

 

يُحدِّد العديد من المرضى أن بداية أمراضهم تعود على سبيل المثال بمناسبة عيد الأضحى الأخير أو خلال شهر رمضان الماضي أو بمناسبة عاشوراء. كما أن بعضهم يخبرونني أنه في كل عيد الأضحى مثلا أو بعد كل شهر رمضان يصابون بنفس المرض ويحدثون نفس النوبة. كما نرى بعض حالات الانتحار التي تُنشر في بعض الصحف خلال هذه المناسبات الدينية وعلى سبيل المثال أم لثمانية أطفال انتحرت بتطوان يوم الخميس 15 غشت الماضي و انتحار شاب بتزنيت يوم الثلاثاء 13 غشت.
في الواقع تعود هذه المناسبات الدينية كل سنة في نفس الفصل السنوي تقريبًا مع تغيير طفيف كل عام (11 يومًا حسب السنة القمرية) بالعِلم أن في الطب النفسي هناك أمراض دورية تتكرر كل مرة تقريبًا في نفس الفصل السنوي، مرة في السنة أو كل سنتين أو أكثر حسب الجدية في العلاج وظروف الحياة. ولكن أيضًا يمكن أن تكون هذه المناسبات الدينية بالصدفة دلالة عن ظهور بعض الأمراض النفسية.
للعلم أن فصول السنة تؤثر بشكل عام على الطبيعة بأكملها وهي التي تقرر عند الحيوانات موسم التزاوج الجنسي في فترة معينة في السنة، مرة واحدة أو أكثر حسب فصائل الحيوانات. كما تقرر متى تسقط أوراق الشجر وفي أي فصل تظهر مرة أخرى هذه الأوراق والزهور والفواكه. وهكذا تؤثر كذلك الطبيعة على الإنسان وبالضبط على مزاجه وإفرازات النقالات العصبية حيث يتغير المزاج حسب تغيير الفصول بصفة عامة (نكون نشيطين في الربيع أكثر من فصل الشتاء مثلا) وبصفة خاصة عند المرضى.
ما هي إذاً هذه الأمراض النفسية التي تظهر لأول مرة أو تتكرر مع تغيير فصول السنة؟
1- الاكتئاب الحاد أو الكئيب في مرض الاضطراب الثنائي القطب
الاكتئاب الكئيب هو اكتئاب شديد مع المبالغة في جميع أعراض الاكتئاب (الوهن الكلي، الحساسية للضوء وأشعة الشمس، العزلة في الظلام، التخدير العاطفي، عدم القدرة على الشعور بالفرح، الفقدان التام في الاهتمام بالنظافة والشغل والبيت والأبناء، فقدان الشهية، الإهمال الذاتي، الشعور بالذنب، عدم القدرة على الشعور بالحب حتى مع الأقرباء والزوج والأطفال، الشعور بعدم الجدوى في الحياة، مع وجود خطر كبير في الانتحار المتعمد والذي ينجح في أغلب الأحيان. ويعتبر هذا المرض في الطب النفسي من الأمراض الخطيرة والمستعجلة مع العلم أنه مرض بيولوجي (اضطراب مهم في إفرازات الناقلات العصبية ولا علاقة له بالإيمان كما يعتقد المغاربة) وغالبًا ما يكون وراثيًا لأن السبب باطني وتكويني(5) في هذا النوع من الاكتئاب.
يتميز هذا المرض الخطير بخاصية الظهور لأول مرة أو التكرار عند تغير الموسم السنوي، وغالبًا ما يكون في الخريف أو الشتاء، ولكن يمكن أن يحدث (نادرًا) في الربيع أو الصيف.
وعندما تتزامن مناسبة دينية مع هذه التغييرات في الفصول (من الخريف إلى الشتاء مثلا) تصبح المناسبة الدينية علامة زمنية لبداية أو تكرار المرض وهكذا يربط المريض مرضه مع المناسبة الدينية.
2- الهوس في الاضطراب الثنائي القطب
يتميز الهوس بالإثارة الحركية حيث ينام المريض قليلًا (ساعتان أو 3 ساعات في اليوم)، و يتم تسريع الفكر، ويتحدث بكثرة حيث لا يصمت إلا أثناء النوم، ويرى الحياة باللون الوردي، ويرتدي ملابسًا غير متلائمة مع عادته وعادات المحيط، ويصبح عنده التواصل سهل للغاية وغير متناسب مع الجميع، ويشعر بسعادة وبهجة كبيرة، وُيُغنّي بصوت مرتفع، ويصبح له العديد من المشاريع (السفر، الزواج، الطلاق، المشتريات، المبيعات ..)، ويظل مزاجه غير مستقر للغاية ويمكن له أن يغضب بسهولة شديدة وبصورة مفرطة. وفي هذه الحالة من الإثارة يُعرِّض نفسه للعديد من مخاطر الطب الشرعي حيث مسؤولية المريض تصبح غير مباشرة مثل التسوق القسري، وكثرة القروض المالية، وتوقيع الشيكات مع أو بدون رصيد، وبيع ممتلكاته، وارتكاب الاغتصاب الجنسي، والتعاطي للتجارب في المخدرات، والاحتيال والسرقة …
في الواقع يتغير المريض بسرعة فائقة بحيث لا تتعرف عليه الأسرة بعد ذلك. ولكن بالنسبة للمريض، يسير كل شيء بسرعة كبيرة حيث يتم كسر جميع القوانين الاجتماعية ويصبح كل شيء ممكنًا ولا يمكن لأي شيء أن يمنعه من أداء ما يجري في ذهنه.
يتميز الهوس بخاصية الظهور لأول مرة أو التكرار مع تغير الموسم، وغالبًا ما يكون في الربيع أو الصيف ولكن يمكن أن يظهر أيضاً (نادرًا) في الخريف أو الشتاء.
عندما تتزامن مناسبة دينية مع هذه التغييرات في الفصول (من الربيع إلى الصيف مثلا) تصبح المناسبة الدينية علامة زمنية لبداية المرض وهكذا يربط المريض مرضه مع المناسبة الدينية.
3- انفصام الشخصية
يظهر هذا المرض غالبًا بطريقة ماكرة وهادئة وتدريجية ويمكن أن يمر الدخول في المرض مرور الكرام. وبحلول مناسبة دينية مثل عيد الأضحى، غالبًا ما تجتمع العائلة بأكملها في بيت الوالدين، وبالتالي نلاحظ أن المريض يبقى معزولًا في غرفته ويرفض الجلوس إلى طاولة الأكل مع أفراد عائلته ويرفض الذهاب لزيارة العائلة أو حتى الترحيب بالزائرين في المنزل بمناسبة العيد. وبالتالي تبدو الأعراض واضحة وصارخة لكل أفراد عائلته وكأن المرض بدأ بمناسبة هذا العيد.
كذلك يشعر المريض بقلق حاد وبحالة الكرب لوجود الكثير من الناس في المنزل ويشعر بالاضطهاد والتهديد (الهلوسة). وتزداد هذه المخاوف كلما أصرت الأم مثلا على المريض للجلوس إلى المائدة والخروج من عزلته حيث تصبح هذه المخاوف غير محتملة وهذا ما يجعله يعاني من أزمة ذهانية حادة(9) أو يحاول الانتحار أو مهاجمة مضطهديه (بما في ذلك والديه) أو يهرب من المنزل ويشرع في رحلة أو سفر مرضي ولا يعود إلى المنزل إلا بعد بعض أيام أو أسابيع أو شهور أو سنوات أو لا يعود أبداً.
أيضا هناك حالة أخرى حيث في مرض انفصام الشخصية نستطيع بفضل العلاج الوصول إلى نتائج ايجابية وغالبا ما تتوقف الأسرة (بدون استشارة الطبيب) عن العلاج بعد 6 أو 8 أشهر ويستمر المريض بدون أخذ الأدوية وغالبا ما يبقى المرض مستقرا بعض الشهور حسب كل حالة. ولما تأتي المناسبة الدينية (بعد مرور عام) يتكرر المرض كأول مرة. وهكذا تربط الأسرة المرض بالمناسبة الدينية وليس مع توقيف العلاج وفصول السنة.
4- الهستيريا 
يجب أن نتوقف عن اعتبار المرض الهستيري أنه مجرد سيناريو مسرحي أو أن المريض (غالبًا النساء) يمثل ويلعب دور سينمائي. الهستيريا مرض خطير ويعاني المريض بعمق بنزاعات كثيرة في ألاّوعي وهذا ما يُحدث النوبة الهستيرية.
خلال المناسبات الدينية مثل عيد الأضحى يجتمع جميع أفراد الأسرة ويأتي الإخوان مع زوجاتهم والأخوات مع أزواجهن وإشكالية الهستيري هي ذات طبيعة جنسية ولكن بطريقة اللاوعي تماما. وفي مثل هذا اللقاء العائلي تحدث بعض النزاعات والتوترات النفسية الهائلة والتي تُحدث عند المريض نزاعاته النفسية الداخلية ألاّواعية وتؤدي إلى فك رموز الأزمة الهستيرية عند المريض وتدخل في نوبة هستيرية حادة حيث يُنقل إلى المستعجلات. وهكذا ترتبط نوبة الهستيريا بمناسبة عيد الأضحى على سبيل المثال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.