بين االضيعة والسوق… من يصنع “السعر المرجعي” ويبتلع الهامش؟

بين االضيعة والسوق… من يصنع “السعر المرجعي” ويبتلع الهامش؟

- ‎فيالمغرب الفلاحي, في الواجهة
7011
0

تحقيق– نورالدين بازين

في السادسة صباحًا، أنهى عبد السلام بيع ثلاثة أطنان من الطماطم من ضيعته بضواحي شيشاوة بثمن 2.70 دراهم للكيلوغرام. بعد أقل من 48 ساعة، كانت الطماطم نفسها معروضة في أحد أسواق الأحياء الشعبية بمراكش بـ9 دراهم للكيلوغرام.

الفارق ليس مجرد رقم. إنه مسافة كاملة بين عالمين: عالم الفلاح الذي يبيع تحت ضغط التلف، وعالم المستهلك الذي يشتري تحت ضغط الغلاء.
لم نكتفِ بتتبع شحنة واحدة، بل راقبنا على مدى ثلاثة أيام حركة البيع داخل سوق الجملة للخضر والفواكه بمراكش، وجمعنا نسخًا من فواتير شراء، واستمعنا إلى فلاحين ووسطاء وتجار تقسيط وخبير في سلاسل القيم الفلاحية. النتيجة تكشف سلسلة طويلة تتراكم فيها الهوامش في نقاط غير مرئية، وسعرًا “مرجعيًا” يتشكل في دقائق حاسمة كل صباح.

اليوم الأول: وفرة في الضيعات… وضغط لا يرحم

في شيشاوة، كان العرض وفيرًا. ثلاثة فلاحين أكدوا لنا أن سعر البيع خلال ذلك الأسبوع تراوح بين 2.50 و3 دراهم للكيلوغرام.

يقول أحدهم:

“إلا ما بعتيش اليوم، غدًا يهبط الثمن أكثر. ما عندناش تبريد باش ننتاظرو.”

تكلفة الإنتاج المقدرة — بذور، أسمدة، ماء، يد عاملة، نقل أولي — قاربت 2 إلى 2.30 درهم للكيلوغرام. أي أن هامش الربح في أفضل الحالات لا يتجاوز نصف درهم.
الفلاح هنا لا يناور. لا يخزن. لا يفاوض طويلًا. الزمن ضده، والمنتوج سريع التلف. لذلك يبيع.

اليوم الثاني: داخل سوق الجملة… دقائق تصنع السعر

عند مدخل سوق الجملة للخضر والفواكه بمراكش، تُؤدى رسوم دخول وخدمات، وتُحتسب عمولة سمسرة تتراوح — حسب مهنيين — بين 5% و7%.
في حدود السابعة والنصف صباحًا، تنطلق المساومات السريعة بين السماسرة وتجار نصف الجملة. خلال أقل من ساعة، استقر سعر الطماطم في ذلك اليوم عند 4.10 دراهم للكيلوغرام.

تاجر نصف جملة صرّح:

“السعر كيخرج من العرض والطلب. اليوم كان الطلب متوسط.”

لكن فلاحين تحدثوا عن “توافقات غير مكتوبة” في اللحظات الأولى من التداول:

“منين كيستقر ثمن فالدقائق اللولى، كيولي هو المرجع ديال النهار كامل.”

لا توجد منصة عمومية تنشر في الزمن الحقيقي عدد الأطنان الداخلة أو تفاصيل كل صفقة. السعر المرجعي يتشكل داخل السوق، في نافذة زمنية ضيقة، بعيدًا عن أعين المنتج والمستهلك.


تفكيك الهامش… من 2.70 إلى 9 دراهم
استنادًا إلى فواتير حصل عليها التحقيق، وإلى شهادات ثلاثة مهنيين، كان المسار التقريبي لشحنة عبد السلام كالتالي:
في الضيعة: 2.70 دراهم
بعد النقل الأولي والخسارة المحتملة: حوالي 3.10
داخل سوق الجملة (سعر البيع): 4.10
عمولة ورسوم وخدمات: حوالي 0.35
نقل وتخزين قصير لدى نصف الجملة: حوالي 0.40
سعر الخروج من نصف الجملة: نحو 6 دراهم
نقل لتاجر التقسيط وتلف يومي: حوالي 0.50
سعر التقسيط النهائي: 9 دراهم
الزيادة الإجمالية بلغت 6.30 دراهم، أي ما يقارب 233% بين الضيعة وسوق التقسيط.

صحيح أن هناك مصاريف حقيقية في كل مرحلة، لكن التحقيق يكشف أن جزءًا من الهامش يرتبط بقدرة بعض الحلقات على التحكم في التوقيت والكميات.

التخزين… حين يصبح الوقت أداة تسعير
في مستودع تبريد خاص بأطراف المدينة، تم تخزين جزء من الشحنة ليوم واحد قبل إعادة طرحها.

مالك المستودع قال:

“نحن نوفر خدمة التخزين فقط. لا نتدخل في تحديد الأسعار.”

غير أن تاجر تقسيط اعترف:

“إلا نقصت السلعة فالسوق نهار، كيطلع الثمن بسرعة. اللي عندو مخزون كيستافد.”

غياب نظام تتبع وطني للكميات المخزنة تجاريًا في الزمن الحقيقي يفتح الباب أمام استفادة ظرفية عند أي تراجع يومي في العرض، حتى لو كان الإنتاج الإجمالي للأسبوع وفيرًا.

من يملك الوقت… يملك السعر

الفلاح الصغير لا يملك رفاهية الانتظار.
الوسيط الذي يتوفر على سيولة ومخازن يملك القدرة على التأجيل.
وفي سوق سريع التلف، الوقت يتحول إلى قوة تسعير.

خبير في سلاسل القيم الفلاحية علّق:

“الإشكال ليس في وجود هوامش، بل في اختلال ميزان القوة داخل السلسلة. حين تتركز القدرة على التخزين والسيولة في حلقة معينة، تتضخم حصتها من القيمة.”

الرقابة… حضور نظري وشفافية محدودة
مصدر مهني أكد أن آليات المراقبة موجودة من حيث المبدأ، لكن لا توجد لوحة إلكترونية تعرض للعموم:عدد الأطنان الداخلة كل صباح، متوسط سعر كل صفقة وتطور الأسعار ساعة بساعة.
في غياب هذه المعطيات، يصعب الجزم إن كان ارتفاع السعر ناتجًا عن نقص حقيقي في العرض، أم عن إدارة يومية للكميات داخل السوق.

الحقيقة التي تثقل كاهل الأسر
الحقيقة التي تتضح من خلال هذا المسار ليست فقط في تعدد الأرقام، بل في غياب تنظيم فعال للسوق الداخلي وهيكلة أسواق الجملة ومسالك التوزيع. هذا الغياب يفتح المجال لتعدد الوسطاء والمضاربين، ويؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمستهلك البسيط، كما يرهق كاهل الفلاحين، خصوصًا الصغار منهم الذين لا يجدون منفذًا سوى السوق الداخلي لتصريف إنتاجهم.
هؤلاء الفلاحون يتحملون رسوم الولوج إلى أسواق الجملة التي تصل إلى 7% من قيمة معاملاتهم، دون أن يقابلها مستوى خدمات مناسب داخل هذه الأسواق، كما يتحملون عبء الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20%.
في نهاية السلسلة، يظهر بوضوح أن الفلاح الصغير والمستهلك هما الفئتان الأكثر تضررًا من هذه المنظومة، بينما تظل فئة الوسطاء والمضاربين المستفيد الأكبر من اختلالات السوق.

صوت المستهلك… الحلقة الأخيرة في السلسلة

فاطمة، ربة بيت، تختصر المشهد:

“إلى كان الفلاح باع بـ2 دراهم، كيفاش نوصلو لـ9؟ شي حاجة ما واضحة.”

المستهلك لا يتتبع العمولة ولا كلفة النقل. هو يرى الرقم على الميزان. ومع تكرار الفوارق الكبيرة، تتآكل الثقة في المنظومة.
خلاصات التحقيق


هنا اكتشفنا أن السعر المرجعي يتشكل داخل نافذة زمنية قصيرة في الساعات الأولى من الصباح، ليصبح محددًا لباقي معاملات اليوم بأكمله، في ظل شفافية محدودة لا تتيح نشرًا تفصيليًا وفوريًا لكل الصفقات المنجزة. كما يتبين أن امتلاك وسائل التخزين والسيولة المالية يمنح بعض الفاعلين قدرة أكبر على التحكم في توقيت عرض المنتوج، وهو ما يتحول في سوق سريع التلف إلى نفوذ سعري حقيقي. وفي المقابل، يؤدي تعدد حلقات الوساطة إلى تراكم هوامش، بعضها مرتبط بتكاليف فعلية وأخرى ظرفية، يصعب تمييزها أو ضبطها في غياب آليات تتبع دقيقة وشاملة.
انطلاقا من ذلك نحن لا نوجه اتهامًا جزافيًا لطرف بعينه، لكننا نكشف منطقة رمادية تتشكل فيها الأسعار بعيدًا عن أعين المنتج والمستهلك.
فحين يقفز السعر بنسبة 233% بين الحقل والميزان، فالسؤال لا يتعلق فقط بالمصاريف… بل بمن يملك مفاتيح التوقيت والكميات.

عبد السلام يلخصها ببساطة:

“إلى كان السوق شفاف، نرضاو بالثمن اللي يخرج. غير بغينا نعرفو كيفاش كيخرج.”

في معركة العدالة الغذائية، الشفافية ليست تفصيلًا تقنيًا، بل شرطًا أساسياً لاستعادة التوازن بين من يزرع، ومن يبيع، ومن يشتري.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

لجنة استئناف العقوبات التابعة ل(كاف) تعتبر منتخب السنغال خاسرا للمباراة النهائية وتعتمد انتصار المغرب بنتيجة (3-0)

ومع/كلامكم القاهرة – قررت لجنة استئناف العقوبات التابعة