هيئة التحرير
يشكل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط أحد أكبر الأوراش الاستراتيجية التي أطلقها المغرب خلال العقود الأخيرة، ليس فقط بحجمه الاستثماري أو بطاقته اللوجستية، بل بما يحمله من رؤية شمولية بعيدة المدى، تترجم التوجيهات الملكية الرامية إلى إعادة تموقع المملكة داخل سلاسل التجارة العالمية وتعزيز سيادتها الاقتصادية والطاقية.
رؤية ملكية لإعادة التموقع الاستراتيجي
يندرج مشروع الناظور غرب المتوسط ضمن رؤية ملكية واضحة انطلقت منذ مطلع الألفية الثالثة، تهدف إلى بناء اقتصاد وطني مندمج في العولمة، قوي في بنياته اللوجستية، وقادر على التفاعل مع التحولات الجيو-اقتصادية العالمية. فبعد طنجة المتوسط، يأتي هذا المشروع ليؤكد خيار المغرب في جعل الموانئ الكبرى قاطرة للتنمية ومفاتيح للاندماج الدولي.
موقع استراتيجي على مفترق الطرق البحرية
يستفيد الميناء من موقع جغرافي بالغ الأهمية، إذ يبعد حوالي 130 ميلاً بحرياً عن مضيق جبل طارق، أحد أكثر الممرات البحرية حيوية في العالم. هذا الموقع يجعل من الناظور غرب المتوسط نقطة ارتكاز محورية على طرق التجارة الدولية، وقادرة على استقطاب حركة العبور البحري وربط إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا في منصة لوجستية واحدة.
استثمار ضخم يعكس الثقل البنيوي للمشروع
يبلغ حجم الاستثمارات العمومية والخاصة المرتبطة بالمشروع حوالي 51 مليار درهم، ما يعكس حجمه الاستراتيجي وطبيعته الهيكلية. فالميناء صُمم بطاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين حاوية و35 مليون طن سنوياً، مع آفاق توسع مستقبلية مهمة، تضمن له الاستدامة والقدرة على مواكبة تطور المبادلات التجارية العالمية.
ربط الاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية
لا يقتصر دور الميناء على الشحن والتفريغ، بل يتعداه إلى لعب دور محوري في ربط الاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية. فالشراكات المبرمة مع شركات دولية رائدة في مجال النقل البحري واللوجستيك تضمن اندماجاً فعالاً للميناء في الشبكات العالمية.
كما أن المنطقة الواسعة للأنشطة الصناعية واللوجستية المحاذية للميناء، والتي تمتد على حوالي 700 هكتار، تشكل رافعة حقيقية لجذب الاستثمارات الدولية، وخلق قيمة مضافة أعلى داخل النسيج الاقتصادي الوطني، خاصة مع توفر التزامات استثمارية خاصة تناهز 20 مليار درهم.
ركيزة أساسية للأمن والسيادة الطاقية
يمثل ميناء الناظور غرب المتوسط معلمة محورية في مسار تحقيق الأمن والسيادة الطاقية للمملكة. فاحتضانه لمحطة الغاز الطبيعي المسال بطاقة سنوية تصل إلى 5 مليارات متر مكعب، يتيح للمغرب الولوج المباشر إلى الأسواق العالمية وتنويع مصادر التزود بالطاقة.
ويأتي اعتماد الغاز الطبيعي كمصدر طاقة انتقالي في انسجام تام مع التوجه الوطني لإزالة الكربون تدريجياً من الاقتصاد، وتعويض عدم انتظام الطاقات المتجددة، وفق ما أكدته التوجيهات الملكية، خاصة في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2021، الذي شدد على ضرورة تعزيز المخزون الاستراتيجي الوطني من المواد الطاقية.
أثر تنموي مباشر على المواطن والمجال
على المستوى الاجتماعي والمجالي، يضع المشروع التنمية المتوازنة في صلب أهدافه، من خلال خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، وتوفير برامج للتكوين لفائدة الشباب، سواء على الصعيد الجهوي أو الوطني. وقد بدأت بوادر هذا الأثر تظهر مع استقرار فاعلين صناعيين ولوجستيين بالمنطقة.
كما يشكل برنامج البنيات التحتية الطرقية والسككية المرتبط بالميناء محفزاً قوياً للنسيج الاقتصادي الجهوي، ويساهم في تحسين شروط العيش وتعزيز الدينامية الاقتصادية المحلية.
مشروع سيادي بأبعاد متعددة
في المحصلة، لا يمثل مشروع الناظور غرب المتوسط مجرد ميناء جديد، بل رافعة استراتيجية شاملة تجمع بين البعد الاقتصادي واللوجستي والطاقي والاجتماعي. إنه مشروع سيادي بامتياز، يعكس طموح المغرب في تثبيت مكانته كفاعل محوري في التجارة البحرية الدولية، وضمان أمنه الطاقي، وتحقيق تنمية مندمجة تعود آثارها المباشرة على المواطن والمجال.