هيئة التحرير
أعاد قرار المحكمة الدستورية تثبيت قاعدة جوهرية في البناء الدستوري، مفادها أن التنظيم الذاتي لا يستقيم إلا داخل سقف الدستور، وأن أي اجتهاد تشريعي أو تدبيري لا يحترم التعددية والاستقلالية محكوم عليه بالسقوط.
غير أن هذا التكريس المبدئي كشف، في المقابل، عن مأزق مؤسساتي حقيقي، يتمثل في مآل المجلس الوطني للصحافة بعد انتهاء ولاية اللجنة المؤقتة التي كانت تدبره بصفة استثنائية، وما ترتب عن ذلك من تجميد فعلي لمسار إعادة إرساء الإطار القانوني المنظم للقطاع.
هذا الفراغ لم يكن تقنياً ولا عرضياً، بل تعمّق بفعل الجدل الذي فجّرته تسريبات لجنة الأخلاقيات داخل الهيئة المؤقتة، بما حملته من مساس بالثقة وبتصور الرأي العام لمصداقية آليات التنظيم الذاتي.
وهنا برز موقف المنظمات النقابية والمهنية بوضوح، إذ حمّلت الحكومة مسؤولية الوضع القائم، معتبرة أن اللجنة المؤقتة فقدت منذ أكتوبر الماضي أي سند قانوني أو شرعي، وأن الاستمرار في تدبير القطاع خارج المؤسسات الدستورية يشكل انزلاقاً خطيراً يمس جوهر دولة القانون.
التحذير الذي أطلقته هذه الهيئات لا ينفصل عن رهانات أعمق، تتعلق بمخاطر الاحتكار والريع والتحكم في مهنة يفترض فيها أن تكون مستقلة وحرة ومسؤولة. ومن ثم، فإن المخرج لا يمكن أن يكون في تمديد الاستثناء ولا في حلول فوقية، بل في فتح حوار جدي ومسؤول مع الممثلين الحقيقيين للمهنيين، قصد بلورة توافق وطني يعيد الاعتبار للتنظيم الذاتي، ويحصّن أخلاقيات المهنة، ويضمن انسجام المنظومة برمتها مع الدستور، لا كنص فقط، بل كروح وممارسة.