نهيلة عصمان
دخل نظام العقوبات البديلة بالمغرب مرحلة التطبيق العملي لأول مرة منذ دخوله حيز التنفيذ في غشت الماضي، كاشفًا عن ملامح تحول هادئ في السياسة الجنائية، يقوم على تقليص الاعتماد على السجن وتعويضه بصيغ عقابية ذات طابع اجتماعي وتأهيلي.
وخلال الجلسة الرسمية لافتتاح السنة القضائية 2026 بالرباط، أعلن الرئيس الأول لمحكمة النقض، محمد عبد النباوي، أن محاكم المملكة أصدرت إلى حدود نهاية سنة 2025 ما مجموعه ألف حكم في إطار هذا النظام الجديد، شملت أزيد من ألف شخص، في سابقة تعكس بداية تفاعل القضاء مع فلسفة عقابية مغايرة.
وتوزعت هذه الأحكام بين الغرامة اليومية، والعمل لفائدة المنفعة العامة، والتدابير المقيدة لبعض الحقوق أو الخاضعة للمراقبة أو العلاج، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودًا للغاية. ويعكس هذا التوزيع توجها عمليًا نحو الصيغ الأبسط والأيسر في التنفيذ، مقابل حذر واضح في استعمال الوسائل التقنية الأكثر تعقيدًا.
غير أن هذه البداية لم تخلُ من تعثرات. فقد سُجلت حالات إخلال بتنفيذ بعض العقوبات، سواء في ما يتعلق بالعمل لفائدة المنفعة العامة أو باحترام التدابير الرقابية، كما امتنع عدد من المحكوم عليهم عن تنفيذ العقوبة البديلة من الأساس. وهي مؤشرات، وإن ظلت محدودة عدديًا، إلا أنها تضع مسألة المتابعة والمواكبة في صلب نجاح هذا الورش.
وتُقدَّم هذه الأرقام، لأول مرة، باعتبارها معطيات أولية تحتاج إلى تقييم معمق، لكنها تفتح في الآن ذاته نقاشًا أوسع حول قدرة المنظومة القضائية والمؤسسات المكلفة بالتنفيذ على استيعاب هذا التحول. فالعقوبة البديلة لا تكتفي بتغيير شكل الجزاء، بل تستدعي شبكة جديدة من المراقبة والتأطير والتنسيق بين القضاء والإدارة والمجتمع.
ويُعوَّل على هذا النظام في تخفيف الاكتظاظ داخل السجون، وتقليص الكلفة الاقتصادية للعقوبة الحبسية، وتمكين المحكوم عليهم من فرص إدماج بدل الإقصاء. غير أن نجاحه يظل رهينًا بصرامة المتابعة، ووضوح المساطر، وقدرة الدولة على تحويل الفلسفة القانونية إلى ممارسة يومية فعالة.
هكذا، تدخل العقوبات البديلة سنتها الأولى محمولة بآمال الإصلاح، لكنها في الآن ذاته تواجه امتحان الواقع: بين النص القانوني وميدان التنفيذ، حيث تتحدد القيمة الحقيقية لهذا التحول في ميزان العدالة الجنائية.