هيئة التحرير
إذا عدنا إلى الوراء قليلاً، وتحديداً إلى مرحلة قيادة عبد الإله بن كيران، نجد أن مواقفه كانت واضحة وصارمة، حين اعتبر أن التحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة خط أحمر، بل ولوّح بإمكانية إعادة الانتخابات بدل القبول بذلك الخيار. كان ذلك يعكس آنذاك صراعاً سياسياً حاداً، لكن المشهد اليوم يبدو أكثر مرونة، وأكثر خضوعاً لمنطق المصالح.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تتكثف التحركات في الكواليس، حيث يُتداول عن تقارب محتمل بين حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية، في خطوة قد تعيد رسم التوازنات السياسية. هذا المعطى يطرح سؤالاً مباشراً: هل يمكن لحزب الاستقلال أن يضحي بحلفائه الحاليين من أجل رهان رئاسة الحكومة، أم أنه سيحافظ على موقعه داخل التحالف القائم؟
في المقابل، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة لا يقفان مكتوفي الأيدي، بل يعملان على تحصين موقعهما، وقطع الطريق أمام أي تحالف قد يعيد البيجيدي إلى الواجهة. فالصراع لم يعد فقط حول الانتخابات، بل حول من يملك مفاتيح تشكيل الأغلبية المقبلة.
وفي هذا السياق، يبرز طموح واضح داخل حزب الأصالة والمعاصرة لقيادة المرحلة المقبلة. فالحزب يسعى، بصيغة سياسية جديدة، إلى توحيد مختلف تياراته الداخلية، وتقديم نفسه كقوة جاهزة لتدبير الشأن الحكومي. ويذهب بعض المتتبعين إلى أن هذا الطموح يتجسد في الدفع بثقة نحو إمكانية ترؤس فاطمة الزهراء المنصوري للحكومة المقبلة، في حال ما أفرزت الانتخابات نتائج مواتية. وهو سيناريو، وإن كان سابقاً لأوانه، إلا أنه يعكس دينامية داخلية ورهاناً سياسياً لا يخفيه الحزب، في مشهد يؤكد أن كل الاحتمالات تبقى واردة.
شهد، إذن، لا يتعلق فقط بصراع انتخابي، بل بلعبة توازنات دقيقة، تتحكم فيها عدة عوامل: نتائج الانتخابات، حجم الكتل البرلمانية، والقدرة على التفاوض. كما أن عنصر الثقة بين الأحزاب سيبقى حاسماً، خاصة في ظل تجارب سابقة اتسمت بالتوتر وعدم الاستقرار.
في العمق، يبدو أن المغرب مقبل على مرحلة سياسية مفتوحة على كل السيناريوهات. فإما أن نشهد عودة تحالفات غير متوقعة تعيد رسم الخريطة السياسية، أو استمراراً لنفس التوازنات الحالية بصيغة معدلة. وبين هذا وذاك، يبقى الناخب هو الفيصل الحقيقي، في تحديد من يقود ومن يعارض.
كما يبدو أن المغرب مقبل على مرحلة سياسية مفتوحة، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع رهانات السلطة، وتبقى صناديق الاقتراع وحدها الكفيلة بحسم جزء من هذا الغموض… بينما يُحسم الجزء الآخر في الكواليس.
أما “الخطوط الحمراء” التي كانت تؤطر المشهد في السابق، فقد أصبحت اليوم أكثر مرونة… وربما أكثر قابلية لإعادة التفاوض.