سقوط مدوٍ للدبلوماسية البرلمانية: من يمثل المغرب… ومن يُحاسَب؟

سقوط مدوٍ للدبلوماسية البرلمانية: من يمثل المغرب… ومن يُحاسَب؟

- ‎فيسياسة, في الواجهة
5037
التعليقات على سقوط مدوٍ للدبلوماسية البرلمانية: من يمثل المغرب… ومن يُحاسَب؟ مغلقة

هيئة التحرير

ليست كل الهزائم تُقاس بالنتائج، فبعضها يُقاس بما تكشفه من عطبٍ عميق في البنية، ومن خللٍ في المعنى. ما جرى داخل البرلمان الإفريقي لم يكن خسارة موقعٍ أو منصب، بل كان لحظة انكشاف قاسية لنخبٍ سياسية اعتادت التعايش مع الرداءة، ولأحزابٍ حولت التمثيل الوطني إلى غنيمة تُوزع، لا مسؤولية تُمارس.

هناك، في ميدراند، لم يخسر المغرب فقط رهان رئاسة مؤسسة قارية، بل خسر اختبار الجدية. خسر لحظة كان يفترض أن يُترجم فيها رصيده الدبلوماسي الرسمي إلى حضور برلماني وازن، فإذا به يصطدم بواقع مغاير: وفد متعدد الألوان الحزبية، لكنه محدود التأثير، غائب المبادرة، ومفتقد لأبسط أدوات الاشتغال الدبلوماسي.
الوفد الذي ضم لحسن حداد عن حزب الاستقلال، وهناء بنخير عن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وليلى داهي عن حزب التجمع الوطني للأحرار، وخديجة أروهال عن حزب التقدم والاشتراكية، وعبد الصمد حيكر عن حزب العدالة والتنمية، لم يكن ضعيفاً بالضرورة من حيث الانتماء، بل من حيث الفعالية. لأن المشكلة لم تعد في الأسماء، بل في الطريقة التي تُصنع بها هذه الأسماء، وتُدفع بها إلى الواجهة دون إعداد، ودون مساءلة.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من اختار هذا الوفد؟ وعلى أي أساس؟ هل تم وفق معايير الكفاءة والقدرة على بناء التحالفات، أم وفق حسابات التوازنات الحزبية وتقاسم “الكعكة” السياسية؟ الجواب، للأسف، يبدو واضحاً في النتيجة.
الدبلوماسية البرلمانية ليست نزهة سياسية، ولا رحلة تمثيلية لالتقاط الصور. إنها مجال صراع ناعم، تُدار فيه المعارك بالكلمة، وبالعلاقات، وبالتحالفات الدقيقة. ومن لا يمتلك أدوات التأثير، يتحول إلى رقم زائد في معادلة لا ترحم.
الأخطر من الفشل هو تكراره، والأخطر من التكرار هو تبريره. وهنا تكمن أزمة الأحزاب السياسية التي لم تستوعب بعد أن الزمن السياسي تغيّر، وأن منطق “تدوير الوجوه” لم يعد مقبولاً في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد. فكيف يمكن لأحزاب تتحدث عن التجديد أن تعيد إنتاج نفس النخب، بنفس الذهنيات، وبنفس محدودية الأداء؟
ثم أين هي المحاسبة؟ أليس من المفترض أن يتحمل هؤلاء مسؤولية ما وقع؟ أم أن الفشل في المغرب لا يُحاسب، بل يُعاد تدويره في موقع آخر؟ هذه هي العقدة الحقيقية: غياب كلفة الفشل.
البرلمان، الذي يُفترض أن يكون فضاءً للمساءلة، أصبح جزءاً من الأزمة. لأنه يفرز هذه النخب، ثم يعجز عن مساءلتها. والأحزاب، التي يُفترض أن تؤطر وتُكوّن، تحولت إلى آلات انتخابية لا تُنتج سوى الولاءات.
ما حدث في جنوب إفريقيا ليس تفصيلاً. إنه عنوان لمرحلة، ومؤشر على أن الخلل لم يعد في النتائج، بل في المنبع. في طريقة التفكير، في آليات الاختيار، في غياب الجرأة على القطع مع الرداءة.
اليوم، لم يعد السؤال: لماذا فشلنا؟ بل: إلى متى سنستمر في الفشل دون أن يحاسب أحد؟ لأن الدول لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء… حين تُترك المسؤوليات في يد من لا يقدرونها، وتُمنح الثقة لمن لا يستحقونها.
إنها لحظة مواجهة مع الذات. إما أن تُعيد النخب السياسية ترتيب بيتها الداخلي، وتخضع لمنطق الكفاءة والمحاسبة، أو أن يستمر هذا النزيف الصامت… باسم التمثيل، وضد مصلحة الوطن.

You may also like

بلاغ من الديوان الملكي: تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقاً لمصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية

هيئة التحرير أعلن الديوان الملكي المغربي، اليوم السبت،