حائط باب دكالة بين البصيرة والبصر؟

حائط باب دكالة بين البصيرة والبصر؟

- ‎فيرأي
166
0

بثلم : سيدي محمد الناصري.

ابتداءً، وقبل هذا وذاك، وجب علينا استحضار خطاب عقلاني ينفذ إلى جوهر الإشكالية بعيداً عن الغوغائية، يجعلنا نقرأ الأحداث من زاوية المشترك الإنساني بعيدا عن خطاب الكراهية الذي يستبعد الحجة التاريخية والمنطق الحقوقي.
​إن الوقوف على عتبات الأحداث، يقتضي بصيرة ثاقبة لا بصراً يكتفي بالظاهر؛ وما أثير حول حائط “باب دكالة” بمراكش ليس مجرد جدل حول طقس ديني، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضجنا في فهم المقدس واحترام الفضاء العام. فكيف إذن، تحول حائط، كان بالأمس القريب ضحية لإهمال البعض (البوالة)، إلى ساحة للصراع الأيديولوجي بمجرد أن مارست فيه فئة شعائرها الروحية؟ وهل يكمن الخطر في ذات الفعل، أم في المخيال الذي يسكن عقول الرافضين؟
​إن من يتأمل جوهر العبادات يجد أن الصلاة، في مختلف الديانات التوحيدية، هي محاولة إنسانية للاتصال بالواحد الأحد. فإذا كان المسلم يتجه نحو الكعبة، فإن اليهودي يتجه نحو الحائط طلباً للخشوع واجتنابا لإزعاح الآخر؛ وهو اختلاف في الشكل لا في المقصد. ومن التناقض الصارخ أن نهلل لصلوات التراويح حين تصدح في أمستردام أو نيويورك او باريس، كدليل على التسامح الغربي، ثم نضيق ذرعاً بطقس ديني بسيط في مدينة كمراكش، التي كانت ولا تزال أيقونة للتعايش التاريخي بين “الملاح” و”القصبة”.
​إن ربط ممارسة تعبدية عفوية بسياقات سياسية كـالتطبيع، هو نوع من الاختزال المخل، وتوظيف للحدث في غير سياقه. فالإيمان الحقيقي لا يقوم على الإكراه، والإسلام الذي نعتنقه يؤصل لقاعدة: “لا إكراه في الدين”. أما الهلع من الاستيلاء أو التهديد اللذين تروج لهما بعض المنصات، فهو يعكس أزمة ثقة في الذات أكثر مما يعكس قوة الآخر؛ إذ كيف لطقس تعبدي لأقلية (15 مليون نسمة تقريبا) أن يهز كيان أمة إسلامية مليارية، لولا أن البعض استحلى العيش في جلباب المؤامرة هرباً من مواجهة قيم التعددية؟
​انتهاءً، إن حماية الفضاء العام، “باب دكالة” أنموذجا، تبدأ باحترام قدسيته من التدنيس السلوكي (البوالة)، وتستمر الى اعتباره فضاء تاريخيا يتسع للجميع مهما اختلفت الديانات والاعتقادات. إن ما وقع في باب دكالة ليس تهديدا للإسلام، بل هو دعوة لمراجعة علاقتنا بمفهوم الحرية والإنصاف؛ فالمواطنة الحقة هي التي تكيل بمكيال واحد في منح الحقوق وممارسة الواجبات، بعيداً عن لغة الأرقام أو موازين القوى المادية.
​ويبقى السؤال الاستشرافي الذي يفرض نفسه:
متى نرتقي بوعينا الجمعي لندرك أن الاختلاف ليس ثغرة في جدار الأمن الوطني أو القومي الإسلامي، بل هو لبنة في بناء السلم العالمي، وهل سيأتي اليوم الذي تصبح فيه الفضاءات العامة مساجد وكنائس ومعابد مفتوحة للروح، تجسد حقيقة أن الأديان السماوية جاءت لتحرير الإنسان لا لسجنه في قفص العبودية والإمتثال؟

قهوة الصباح.
وجهة نظر أرجو أن تحترم!!

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

مورادي يقدم أطروحة جعلت من الجامعة قضية فلسفية

عبد الرحيم الضاقية شهدت رحاب كلية الآداب والعلوم