نورالدين بازين
على امتداد المجال القروي لــأوريكا، حيث كانت الحقول الخضراء تشكل هوية المكان وعمقه الفلاحي، تتصاعد اليوم مؤشرات مقلقة على ما يشبه “غزواً منظماً” تقوده شبكات عقارية تسعى إلى تحويل الأراضي الزراعية إلى كتل إسمنتية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهات التي تقف خلف هذا الزحف الصامت.

الروبورتاج الذي أجرته “كلامكم” من قلب المنطقة، يكشف معطيات متقاطعة تفيد بأن هذه التحركات لا تتم بشكل عفوي، بل تُدار عبر واجهات متعددة، من بينها بعض الجمعيات التي تقدم نفسها تحت يافطة “المجتمع المدني”، في حين تُتهم محلياً بلعب أدوار ضغط على السلطات، في محاولة لتمرير مشاريع مشبوهة خارج الضوابط القانونية.
أراضٍ فلاحية في مرمى المضاربات
مصادر محلية أكدت أن عدداً من الأراضي الفلاحية بأوريكا أصبحت هدفاً مباشراً لمافيا العقار، التي تعمل على اقتنائها بطرق ملتوية، قبل الشروع في تقسيمها وتهيئتها للبناء، في خرق واضح للقوانين الجاري بها العمل، خاصة وأن المنطقة مصنفة ضمن المجال الفلاحي الذي يفترض حمايته من الزحف العمراني العشوائي.
وتزداد خطورة الوضع، وفق المتتبعين، مع تزايد محاولات فرض الأمر الواقع، عبر إطلاق أوراش بناء بدون تراخيص قانونية أو تصاميم مصادق عليها، ما يهدد التوازن البيئي والعمراني للمنطقة.
السلطة المحلية في خط المواجهة
في مقابل هذا الوضع، برزت تحركات صارمة للسلطة المحلية، حيث يقود قائد المنطقة حملة ميدانية لمحاربة البناء العشوائي، شملت توقيف وتجميد عدد من أوراش تشييد منازل وفيلات أقيمت خارج المساطر القانونية.
هذه الإجراءات، التي لقيت استحساناً لدى فئات واسعة من الساكنة، وضعت السلطة المحلية في مواجهة مباشرة مع لوبيات عقارية، تقول مصادرنا إنها تحاول الالتفاف على قرارات المنع، مستعينة أحياناً بدعم غير معلن من بعض المنتخبين، في مشهد يعكس تشابك المصالح داخل هذا الملف الحساس.

جمعيات تحت المجهر
أحد أخطر ما كشفته المعطيات الميدانية، هو تحرك بعض الجمعيات بشكل لافت للضغط على الجهات الوصية، تحت مبررات تنموية، بينما تُتهم في الكواليس بخدمة أجندات عقارية، والسعي إلى تليين المواقف الرسمية تجاه مشاريع البناء داخل المجال الفلاحي.
هذا “التمويه الجمعوي”، بحسب فاعلين محليين، بات يشكل غطاءً مقلقاً لتحركات تستهدف تقويض الضوابط القانونية، وتحويل أوريكا إلى مجال مفتوح للمضاربة العقارية.
نداءات للوالي للتدخل العاجل
في خضم هذا التصعيد، دعت فعاليات محلية وبعض أبناء المنطقة، في اتصالات مع الجريدة، والي جهة جهة مراكش آسفي إلى التدخل العاجل، من أجل دعم مجهودات السلطة المحلية، والتصدي لما وصفوه بـ“اليد الطويلة” لمافيا العقار التي بدأت، حسب تعبيرهم، “تستبيح المجال الفلاحي دون حسيب أو رقيب”.
كما شدد المتحدثون على ضرورة فتح تحقيق في ملابسات هذه التحركات، وتحديد المسؤوليات، خاصة في ظل الحديث عن ضغوط تمارس من داخل بعض الدوائر المنتخبة لتمرير أجندات معينة.

تصميم التهيئة… معركة في الكواليس
وفي سياق متصل، أفادت مصادر مطلعة أن الوكالة الحضرية لمراكش سبق أن رفضت المصادقة على تصميم التهيئة الخاص بأوريكا، بالنظر إلى طابعها الفلاحي وضرورة الحفاظ على مؤهلاتها البيئية.
غير أن هذه المواقف، تضيف المصادر، تواجه ضغوطاً متزايدة من أطراف تسعى إلى تغيير هذا التصنيف، بما يسمح بفتح الباب أمام الاستثمار العقاري، وهو ما يثير مخاوف من تفويت المجال أمام مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة.
بين حماية الأرض وزحف الإسمنت
أوريكا اليوم ليست مجرد منطقة قروية هادئة، بل تحولت إلى ساحة صراع خفي بين من يسعى إلى الحفاظ على طابعها الفلاحي والبيئي، ومن يرى فيها خزّاناً عقارياً جاهزاً للاستغلال.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً: هل تصمد السلطات في وجه هذا الزحف، أم أن الإسمنت سيكسب الجولة على حساب الأرض


