المناهج التربوية الجهوية وأفق الحكم الذاتي : أي توازن ممكن

المناهج التربوية الجهوية وأفق الحكم الذاتي : أي توازن ممكن

- ‎فيرأي
87
0
ابريك أمزون

طــرفة عين
في زمن التحولات الكبرى ، تتشكل مفارقة المدرسة المغربية بين منهاج يوحد ولا يفـــرِّق؛ وتنوع يغاير ولايفكك؛ المدرسة مطالبة بأن تكون حارسة لوحدة المرجع والمعنى ، وفي الآن ذاته فضاء رحبا للاختلاف المشروع ،وأن ترسخ المشترك الوطني دون أن تسقط المحلي والجهوي في هامش النسيان . مَدْرسَة ترسخ إطارا جامعا للمعرفة والقيم ؛ دون أن تقصي ما يفيض به المجال من اختلاف وتعدد . ومن هنا يتولد السؤال الإشكالي : كيف لصانع القرارالتربوي أن يدبر هذه المفارقة ؟ وبتعبير أكثر وضوحا، كيف يمكن تدبير وحدة المنهاج في سياق يتسع فيه تفصيل أفق الجهوية والحكم الذاتي دون أن تتحول الوحدة إلى مركزية مغلقة ، أو يفضي التنوع إلى تذَرّر وتضرر المنظومة ؟
إن المفارقة التي تؤطر وضع المدرسة اليوم ، لاتقوم بين نقيضين متصادمين؛ بقدر ما تنعقد بين ضرورتين متلازمتين : ضرورة صيانة المشترك الوطني باعتباره شرط الاستمرارية والاندماج ، وضرورة الاعتراف بالخصوصيات الجهوية والمحلية بوصفها موردا للنجاعة والملاءمة .وفي هذا التوتر الخلاق، المدرسة المغربية مدعوة لأداء وظيفة مزدوجة : أن تكون أداة وحدة رمزية ومؤسساتية وفي نفس الوقت فضاء بيداغوجيا قادرا على استيعاب الاختلاف وتحويله من عنصر تفكيك محتمل إلى رافعة إدماج وتنمية.
وعليه ، لا يُطرح سؤال التوازن باعتباره معادلة تقنية في توزيع الصلاحيات . بل باعتباره رهانا فكريا تربويا عميقا ، يمتحن قدرة السياسة التعليمية على الانتقال من منطق “التوحيد القسري” إلى منطق ” الوحدة المرنة ” ومن مركزية القرار إلى تشاركية التنزيل . وفي هذا الحيز الوسط ، حيث لا تنفصل الوحدة عن التعدد ؛ ولا يستثمر التعدد خارج الوحدة ، تتحدّد مــلامــح مدرسة مغربية جديدة قادرة على تدبير المفارقة وصناعة التوازن المتكامل ، والمساهمة في أفق ديمقراطي وطني وتنموي جهوي منصف وشامل .
رهان التحول .. حين يلتقي القرار السياسي بالتربية
حين يلتقي القرار السياسي بالتربية ، يُطرح سؤال أساسي : كيف يمكن للمدرسة أن تزرع الانتماء والوعي ، بينما الدولة توسع الجهوية وتفصل صلاحيات الحكم الذاتي ؟وكيف نربي مواطنا يفهم حقوقه وواجباته ، ويعرف حدود التدخل الجهويضمن وحدة الوطن ؟ هل يمكن للمنهاج الدراسي أن يكون جسرا بين مشروع سياسي كبير وبين واقع المتعلم اليومي؟ وهل تكفي الحصة الجهوية لتقريب التعلم من البيئة المحلية ، دون أن تفقد المدرسة هويتها الجامعة ؟
الرهان الحقيقي؛ في سياق تعدد المجالات والخصوصيات ، أن تتحول المدرسة من فضاء لتلقين المعارف، إلى منصة لإدراك معنى المواطنة والانتماء، حيث تتعلم العقول قبل القوانين ، وتغرس الانتماء قبل الإجراءات، أي أن التعليم يصبح بذلك وسيلة لفهم السياسة وفهم الذات في نفس الآن . وهو الهدف الأساس لأي مشروع إصلاحي يربط بين الجهوية والحكم الذاتي .
الحكم الذاتي كاختيار سياسي بأبعاد تربوية
تقوم الجهوية المتقدمة ، كما أقرها الدستور المغربي، على مبادئ التدبير الحر، والتفريع ، وتقريب القرار من المواطن. وفي هذا الإطار، يبرز التعليم كقطاع استراتيجي لا يمكن فصله عن التحولات المجالية . فمشروع الحكم الذاتي يقوم على صلاحيات التدبير المحلي في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية. لكنه ليس مجرد نص قانوني أو توزيع صلاحيات، بل مشروعا يستهدف إنتاج مواطن واع يستطيع المشاركة في تدبير شؤون الجهة ، دون أن ينفصل عن الدولة .
الحكم الذاتي في بعده التربوي ،لا ينبغي أن يفهم باعتباره تفويضا مطلقا للجهات في إنتاج مناهج تربوية مستقلة ، لما قد يحمله ذلك من مخاطر المساس بالوحدة الوطنية ، بل يتعين النظر إليه كإطار لتوسيع هامش المبادرة الجهوية في تنزيل المنهاج الوطني وتكييفه مع الخصوصيات الثقافية والسوسيواقتصادية واللغوية المحلية . وفي هذا السياق ،تتقدم المدرسة كمكان لتربية الوعي ، وإكساب القدرة على التحليل والمشاركة وتوطيد المواطنة النشيطة بعيدا عن التلقين الجاف أوالخطابات السياسية المباشرة .
نحونموذج منهاجي ضامن للوحدة المرنة والإنصاف
إن تجاوز الثنائية الصلبة بين المركز والجهة يقتضي التفكير في نموذج منهاجي بديل، قوامه الوحدة المرنة والإنصاف :
*منهاج موحد يحدد الكفايات الأساس ، والقيم الجامعة ، والمعارف المشتركة .
*هوامش جهوية للتكييف البيداغوجي ، تسمح بإدماج مضامين محلية (التاريخ الجهوي ، البنيات الاجتماعية ، البيئة ، الاقتصاد المحلي ، التراث الثقافي …)
*استقلالية نسبية للمؤسسات التعليمية في بلورة مشاريعها التربوية ، في إطار التعاقد مع السلطات الجهوية والمركزية.
إن الإنصاف المنهاجي بما هو مبدأ تربوي يقوم على ضمان أن يكون المنهاج الدراسي عادلا وشاملا ومنصفا لجميع المتعلمين (ات) بغض النظر عن أصولهم الاجتماعية أو الجهوية أواللغوية أو أوضاعهم الاقتصادية ،أي تحقيق العدالة التربوية (توفير ما يحتاجه المتعلم(ة) ليحقق فرص النجاح ).
وفي السياق ذاته ، يطرح الإنصاف المنهاجي كأداة لضمان أن الجهوية أو الحكم الذاتي لا يتحولان إلى مصدر تفاوت ؛ بل إل فرصة فريدة لتثمين الخصوصيات المحلية ، وتقوية الانتماء الوطني . وللوصول إلى ذلك نرى انه لابد من توفير شروط :أولا، توفير إطار مرجعي وطني واضح ؛ ثانيا، استقلالية بيداغوجية مضبوطة قادرة على اتخاذ قرار محلي ؛ثالثا، تكوين الأساتذة على المقاربات الدامجة ، رابعا، اعتماد نظام التقييم البديل الذي يقيس التعلم وليس النقطة؛ خامسا، إشراك الفاعلين المحليين في بناء المضامين .
وبناء عليه، الإنصاف المنهاجي ليس مجرد تعديل في الكتب ، بل فلسف تربوية تهدف إلى جعل المدرسة فضاء للعدالة الاجتماعية والاعتراف بالتنوع داخل الوحدة .
أي تــــوازن مــمــكــــن ؟
في سياق بلد مثل المغرب، حيث تتعزز الجهوية المتقدمة ، ويُطرح نقاش الحكم الذاتي يصبح التوازن ضرورة سياسية وتربوية في آن واحد .من وجهة نظرنا يتطلب التوازن الممكن هندسة علمية دقيقة على شكل طبقات متكاملة ، توزع الأدوار وتضبط الحدود ، تضمن الوحدة وتثري التنوع :
*الطبقة الأولى : طبقة السيادة المركزية ، تضطلع بوضع الأسس المشتركة للكفايات الأساس والقيم الوطنية والدينية بما يضمن الانسجام المساواة وتكافؤ الفرص ويحفظ المشترك الوطني بين جميع المتعلمين (ات).
*الطبقة الثانيــة : طبقة التكييف الجهوي ، تمنح الجهة والأكاديمية هامشا لتكييف المضامين وربطها بالخصوصيات اللامادية وربط التعلمات بالاقتصاد والبيئة المحلية بما يجعل المنهاج أكثر ارتباطا بحياة المتعلمين (ات) وتعزيز الحافزية والشغف بالتعلــــم .
*الطبقة الثالثة : طبقة المبادرة المؤسسية ، تسمح للمؤسسة التعليمية بابتكار أساليب بيداغوجية وأنشطة تربوية مدمجة وموازية تعكس روح المبادرة المحلية وتغني التجربة التعليمية والبيداغوجية وتحارب الهدر المدرسي .
إن هذا التوازن الممكن لا تتناقض فيه الوحدة مع التعدد، بل يتبلور فيه أفق تربوي جديد يرسخ لمدرسة مغربية عادلة ومتوازنة ، ومتعددة الأساليب ، وتجمع -عموما- بين الانتماء الوطني والحس المحلي والفعالية التربوية .
وتأسيسا على ما تقدم ؛ يظهر أن التوازن بين وحدة المنهاج وأفق الحكم الذاتي ليس حلما نظريا بل ضرورة استراتيجية تتطلب رؤية متكاملة وحسا سياسيا وتربويا واعيا . إن بناء هذا التوازن يشبه نسيجا دقيقا ، كل خيط فيه له وظيفته ، وفي التلاقي يظل السؤال المطروح على النخب السياسية والنخب التربوية مفتوحا : كيف للسياسات المستقبلية أن تعزز هذا التوازن ليصبح معيارا ثابتا في تطوير المنظومة التربوية ؟
(*) أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق

 

 

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

فيديو وصور. سور مراكش على حافة الخطر: تشققات مقلقة بشارع اليرموك تعيد الجدل حول جودة الترميم

خديجة العروسي/ تصوير: ف. الطرومبتي يعود ملف هشاشة