نور الدين بازين
لم تعد أحداث جماعة سيدي عيسى بن سليمان، بإقليم قلعة السراغنة، مجرد نزاع محلي حول مقلع للأحجار، بل تحولت إلى انفجار ميداني يعكس تداخلاً معقداً بين رهانات انتخابية، وقرارات إدارية، وأحكام قضائية، في مشهد ينذر بانزلاقات أكبر إذا لم يتم احتواؤه بسرعة.

خلفية سياسية مشتعلة
اندلاع الاحتجاجات تزامن مع سياق انتخابي دقيق، حيث تمت تزكية أحمد التومي، رئيس جماعة سيدي عيسى بن سليمان، من طرف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لخوض الانتخابات البرلمانية، بعد تنازل رئيس المجلس الجماعي نورالدين آيت بلحاج وهو صاحب المشروع المثير للأحداث عن الترشح لفائدته.

هذا المعطى لم يمر مرور الكرام، إذ تشير قراءات محلية إلى أن دخول التومي سباق البرلمان، بعد مسار حزبي متقلب بين الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، قد فجّر صراعات كامنة، وفتح الباب أمام خصوم سياسيين لتأليب جزء من الساكنة، في سياق مشحون أصلاً بحساسية المشروع موضوع النزاع.
مشروع قديم.. واحتقان متأخر
مشروع المقلع ليس وليد اللحظة، إذ يعود إلى سنة 2019، وحصل على تراخيص متعددة، قبل أن تنطلق أشغال تهيئته سنة 2024 دون اعتراضات رسمية تذكر. غير أن الأمور انقلبت رأساً على عقب، بعدما تفجرت موجة احتجاجات قادها سكان الدواوير المجاورة، بدعوى الخوف من الأضرار البيئية، خاصة على الأراضي الفلاحية وزراعة الزيتون.

وتفيد معطيات ميدانية أن شرارة الاحتجاج انطلقت من داخل أحد المساجد، قبل أن تنتقل إلى وقفات أمام مقر العمالة وسرية الدرك، وصولاً إلى محيط المشروع.
القضاء يحسم.. والميدان يرفض
أمام إغلاق الطريق المؤدية إلى المقلع، لجأ المستثمر إلى القضاء، الذي أقر عبر خبرة ميدانية بوجود الطريق منذ سنوات، قبل أن تصدر محكمة الاستئناف بـمراكش حكماً يقضي بفتحها وتنفيذ القرار.
لكن لحظة التنفيذ، يوم 24 مارس 2026، كانت نقطة التحول، حيث تحولت العملية إلى مواجهة مباشرة بعد رفض الساكنة، التي اعتبرت أن الأرض ملك خاص ولا وجود لطريق عمومية، في تناقض صارخ مع خلاصات الخبرة القضائية.

انفجار ميداني وإصابات
المشهد سرعان ما خرج عن السيطرة، بعد تجمع المئات من السكان، بينهم نساء وأطفال، في محاولة لعرقلة التنفيذ، قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة، استُعملت فيها الحجارة بشكل مكثف، ما أدى إلى إصابات في صفوف عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة، وتخريب سيارة إسعاف.
وأمام هذا التصعيد، تدخلت القوات العمومية لتفريق المحتجين باستعمال محدود للغازات المسيلة للدموع، بعد فشل كل محاولات التهدئة.
أين كانت الوساطة؟
أخطر ما كشفت عنه هذه الأحداث، ليس فقط حجم الاحتقان، بل غياب أي تدخل فعلي للوساطة من طرف الفاعلين السياسيين أو النقابيين أو الحقوقيين، الذين ظلوا خارج المشهد، رغم وضوح مؤشرات الانفجار منذ شهور.مع العلم أن مركز حقوق الناس بقلعة السراغنة بصدد إصدار تقرير مفصل حول هذه الأحداث.

كما أن عامل الإقليم الحالي، الذي قدم حديثاً، لم يتم تنبيهه بما يكفي إلى حساسية الملف وخطورته، خاصة في ظل تزامنه مع الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يطرح تساؤلات حول دور المصالح الإدارية خاصة اللجنة المكلفة بالملف في نقل المعطيات الدقيقة وتقدير المخاطر وعدم فتح حوار مع السكان حول المشروع.
ويزداد هذا التساؤل حدة، إذا ما تم استحضار أن العامل السابق كان قد رفض التأشير على المشروع، لأسباب تبدو اليوم واقعية في ضوء ما تعيشه المنطقة من توتر.

روايتان.. وأزمة ثقة
بين رواية المستثمر، الذي يؤكد قانونية المشروع وتوفره على كل التراخيص، ورواية الساكنة التي تتشبث بحقها في الأرض والبيئة، تتسع فجوة الثقة، ويغيب الحل التوافقي.
الساكنة تؤكد أنها خاضت احتجاجات سلمية وقدمت شكايات متعددة دون جدوى، فيما يشير المستثمر إلى التزاماته المالية وخسائره المتراكمة بسبب تعطيل المشروع.
إلى أين؟
أعقبت هذه الأحداث توقيفات في صفوف عدد من المشتبه فيهم، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد المسؤوليات. غير أن السؤال الحقيقي يتجاوز الجانب الأمني، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بتدبير النزاعات الترابية في سياقات سياسية حساسة.

ما وقع في قلعة السراغنة هو إنذار واضح: حين تتقاطع السياسة مع الاقتصاد، ويغيب الحوار، يصبح الشارع هو الحكم، وتتحول المشاريع إلى بؤر توتر ويعرقل الإستثمار بالاقليم.
واليوم، لم يعد المطلوب فقط تنفيذ الأحكام أو فرض النظام، بل فتح قنوات حقيقية للوساطة، وإعادة بناء الثقة، قبل أن تتكرر نفس السيناريوهات في مناطق أخرى.


