المغرب وإسبانيا: تحالف أمني نموذجي في خدمة الاستقرار المتوسطي

المغرب وإسبانيا: تحالف أمني نموذجي في خدمة الاستقرار المتوسطي

- ‎فيرأي, مستجدات
2835
0

هيئة التحرير

في زمن تتسم فيه التهديدات المتعددة الجنسيات بتعقيد متزايد، أصبحت التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا واحداً من أبرز الأمثلة وأكثرها صلابة وفعالية واستراتيجية في الفضاء الأورو-متوسطي.

ليس الأمر مجرد علاقة جوار أو تفاهم تقني بين الأجهزة، بل هو، قبل كل شيء، شراكة ثقة بُنيت بصبر وذكاء وبحس دولة. في منطقة يتطور فيها الخطر الإرهابي والتطرف العنيف وشبكات الجريمة المنظمة بسرعة كبيرة، استطاعت الرباط ومدريد أن تبنيا معمارية تعاونية أصبحت اليوم نموذجاً حقيقياً.

لا يمكن قياس أبعاد هذا التعاون من خلال طول عمره فحسب، وإن كان تجاوز عقد كامل من النتائج المستمرة يُعدّ بحد ذاته إنجازاً بارزاً. إن قيمته الحقيقية تكمن في جودة الارتباط العملياتي، وسلاسة تبادل المعلومات، وقدرة الطرفين على الاستباق للتهديدات قبل أن تتحقق. هذه هي بالضبط جوهر التحالفات الأمنية الناضجة: ألا تتأخر في الرد، بل تمنع الخطر في الوقت المناسب. وفي هذا المجال، أظهر التعاون بين الشرطة الوطنية الإسبانية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) المغربية كفاءة استثنائية.

منذ عام *2014*، نفّذ البلدان عشرات العمليات المشتركة ضد الإرهاب الجهادي، وحققت نتائج تؤكد عمق التنسيق وجدية الالتزام المشترك. كانت العملية الكبرى الأولى، المعروفة باسم «أزتيكا»، نقطة تحول حاسمة. لم تسمح فقط بتفكيك شبكة مهمة للتجنيد وإرسال المقاتلين إلى سوريا والساحل، بل أوضحت أيضاً أن المغرب وإسبانيا مستعدان للعمل كشريكين استراتيجيين حقيقيين أمام تهديد لا يعرف الحدود. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف هذا التعاون عن التطور والتكامل، ولم يتوقف عن إنتاج نتائج ملموسة.

الأمر الأكثر دلالة هو أن هذه العلاقة تقوم على مبدأ يفوق في أهميته أي تصريح سياسي في مجال الاستخبارات والأمن: الثقة المتبادلة. الثقة في مشاركة المعلومات الحساسة، والثقة في تنسيق العمليات المتزامنة، والثقة في الإقرار بأن أمن أحدهما يعتمد إلى حد كبير على يقظة الآخر وقدرته على الرد. هذه الثقة لا تنشأ صدفة؛ إنها تُبنى بالاحترافية والحذر والمصداقية المؤسسية والنتائج الملموسة. وقد استطاعت المغرب، من خلال أجهزتها الأمنية، أن تكتسب هذا الاعتراف.

في هذا السياق، تكتسب شخصية *عبد اللطيف الحموشي* أهمية خاصة. إن التكريم الأخير الذي منحه له السلطات الإسبانية ليس مجرد إجراء بروتوكولي أو مجاملة دبلوماسية، بل هو *اعتراف صريح بمسيرة استثنائية في خدمة الأمن، وتحديث المؤسسات، والتعاون الدولي. عندما يمنح بلد مثل إسبانيا وساماً رفيع المستوى لمسؤول مغربي، فإنه يبعث برسالة سياسية ومؤسسية ذات وزن كبير: يعترف به كمحاور موثوق، وكمهندس للتعاون، وكفاعل حاسم في حماية المصالح المشتركة*.

*يكمن فضل الحموشي ليس فقط في النتائج العملياتية التي تحققت، بل أيضاً في تجسيده لرؤية حديثة واستراتيجية للأمن. تحت إشرافه، عززت المصالح المغربية قدراتها على الاستباق، ورفعت من معاييرها المهنية، ورسخت ثقافة تعاون تحظى اليوم باحترام العديد من الشركاء الدوليين. في مجال حساس مثل مكافحة الإرهاب، حيث تدفع الارتجالية ثمناً باهظاً، ويُمكن أن تؤدي أي ثغرة إلى عواقب وخيمة، تصبح هذه التركيبة من الصرامة والخبرة والرؤية الاستراتيجية أمراً حاسماً*.

إن التكريم الذي منحه إياه الجانب الإسباني يعترف تحديداً بهذا البُعد: *بُعد مسؤول ساهم بشكل حاسم في تحصين فضاء جغرافي معرض بشكل خاص لمخاطر مشتركة. ذلك أن الأمن بين المغرب وإسبانيا ليس قضية ثنائية بالمعنى الضيق؛ إنه أيضاً عنصر أساسي في الاستقرار المتوسطي والأوروبي والإفريقي. ما يُنجز جيداً بين الرباط ومدريد ينعكس إيجاباً بعيداً عن حدود البلدين. عندما تُفكك خلية إرهابية، أو تُحيّد شبكة، أو يُحبط مشروع إرهابي بفضل التنسيق بين الطرفين، فإن الفائز ليس المغرب وإسبانيا فقط، بل الأمن الإقليمي بأكمله*.

ولهذا السبب، يستحق التعاون الأمني الإسباني-المغربي أن يُقرأ كقصة نجاح استراتيجي. قصة مبنية على الثبات والفعالية والإرادة السياسية. وفي هذه القصة، يحتل عبد اللطيف الحموشي مكانة مركزية. إن اعتراف الدولة الإسبانية به يكرم رجلاً، لكنه في الوقت نفسه يُرسّخ عقيدة عمل قائمة على الجدية والثقة والعمل المشترك. في عصر يسوده الغموض والانقسامات، يُثبت هذا التحالف بين المغرب وإسبانيا أنه عندما يتوفر القيادة والرؤية، فإن التعاون الذكي يظل واحداً من أنبل وأنجع الوسائل للدفاع عن السلم المدني وأمن الشعوب.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

عاجل.. انهيار حائط يودي بحياة ستيني ويخلف إصابة خطيرة بضواحي مراكش

حكيم شيبوب لقي رجل في الستينات من عمره