المغرب ينتزع الاعتراف والاستثمار.. والجزائر تتنازل عن الاعتذار والتعويض للتطبيع مع فرنسا

المغرب ينتزع الاعتراف والاستثمار.. والجزائر تتنازل عن الاعتذار والتعويض للتطبيع مع فرنسا

- ‎فيسياسة, في الواجهة
3706
0

طارق أعراب

تشهد الخارطة الجيوسياسية في المنطقة المغاربية تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقات مع فرنسا، حيث رسمت التحركات الأخيرة لكل من المغرب والجزائر مسارين متناقضين؛ مسار مغربي يرتكز على الندية والمكاسب الاستراتيجية، ومسار جزائري انتهى بتنازلات تشريعية في ملفات كانت تُعتبر حتى وقت قريب خطوطاً حمراء لا تقبل المساومة.

لقد نجحت المملكة المغربية في تحويل علاقتها مع فرنسا إلى نموذج لدبلوماسية النتائج، فمن خلال الحفاظ على موقف حازم يربط الشراكة بالاعتراف بالوحدة الترابية، انتزعت الرباط من باريس موقفاً تاريخياً غير مسبوق، تمثل في الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد. هذا الانتصار لم يتوقف عند الجانب السياسي، بل تُرجم فوراً إلى واقع اقتصادي من خلال تدفق استثمارات فرنسية ضخمة نحو الأقاليم الجنوبية، مما كرس السيادة المغربية عبر مشاريع تنموية كبرى في قلب الصحراء، معلنةً بذلك مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية القائمة على دعم الوحدة الترابية للمملكة.

وفي المقابل، صدم التوجه الجزائري الأخير الكثير من المراقبين، فبعد عقود من الخطاب السياسي المتمحور حول تجريم الاستعمار وضرورة اعتذار فرنسا، قام البرلمان الجزائري في 9 مارس 2026 بخطوة تراجعية لافتة. فبموجب الصيغة المعدلة لقانون تجريم الاستعمار، تم رسمياً إسقاط بندي “المطالبة بالاعتذار الرسمي” و”التعويضات المالية العامة” كشرط لتطبيع العلاقات. هذا التعديل التشريعي جاء استجابة لتحفظات الغرفة العليا، ليتحول الملف من مطلب وطني بالاعتذار والتعويض المادي عن جرائم الحقبة الاستعمارية، إلى مجرد اعتراف معنوي بالجرائم، مما اعتبره محللون تنازلاً ثقيلاً قدمته الجزائر لتعبيد الطريق نحو إعادة الدفء للعلاقات مع قصر الإليزيه دون مقابل سياسي أو قانوني ملموس.

تظهر الصورة اليوم واضحة في كون المغرب استثمر عودة علاقاته مع فرنسا لتحصين سيادته الوطنية وتوسيع نفوذه التنموي في صحرائه بمباركة دولية، بينما وجدت الجزائر نفسها تضحي بأهم أوراق ملف الذاكرة وحقوق الشهداء في التعويض والاعتذار، مقابل مجرد استعادة قنوات دبلوماسية كانت هي من قرر إغلاقها سابقاً. هي مفارقة بين دبلوماسية الأفعال والمكاسب التي تنهجها الرباط، ودبلوماسية التنازلات التي انتهت إليها الجزائر، حيث يبقى الرابح الأكبر هو من استطاع تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز وحدته الترابية وضمان مصالحه العليا.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

جلالة الملك محمد السادس يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفل إحياء ليلة القدر المباركة

كلامكم/ومع أعلنت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن