رئيسة حكومة حلم مؤجل أم استحقاق قادم

رئيسة حكومة حلم مؤجل أم استحقاق قادم

- ‎فيرأي
173
التعليقات على رئيسة حكومة حلم مؤجل أم استحقاق قادم مغلقة

بقلم: ابريك أمزون

 

من موقع الأستاذ المشتغل والمهتم بالشأن البيداغوجي ، لا يبدو سؤال رئاسة امرأة للحكومة في المغرب سؤالا سياسيا صرفا ،بقدر ما هو سؤال تربوي وثقافي في العمق .لأنه يرتبط ، قبل كل شيء ، بما نعلمه لأطفالنا داخل المدرسة ، وبما نزرعه في وعيهم من تصورات حول القيادة ، والسلطة والأدوار الاجتماعية .
من الناحية الدستورية ، لا وجود لأي عائق قانوني يحول دون تولي امرأة منصب رئاسة الحكومة ، النص واضح ، والمساطر الديمقراطية لا تميز بين المواطنين والمواطنات .ومع ذلك ،ظل هذا المنصب إلى اليوم ، بعيدا عن التجرُبة النسائية ، حيث يستمر ما يمكن تسميته بــ ” السقف السياسي غير المعلن ” ،وكأن الأمر يتعلق بحاجز غير مكتوب ، تشكل عبر الزمن داخل الثقافة السياسية والاجتماعية .
كأستاذ ، ألاحظ أن جزءا من هذا التأجيل يبدأ مبكرا داخل المدرسة نفسها .فالمناهج الدراسية والكتب المدرسية ، وحتى الأمثلة المتداولة في الفصول ،عبر محددات المنهاج طبعا، كثيرا ما تعيد إنتاج صورة نمطية للقيادة بوصفها مجالا ذكوريا .ناذرا ما نقدم للتلميذات والتلاميذ نماذج نسائية في مواقع القرار السياسي ، وناذرا ما نربط السلطة بالكفاءة بدل النوع الاجتماعي .وهكذا يتشكل الوعي السياسي الأوَّلي مُحَمَّــلا بتمثلات غير متكافئة .
ولمزيد من التوضيح ،يبدو مفيدا في هذا السياق ،القول أن الأحزاب السياسية لا يمكن أن تكون بمعزل عن هذا الواقع .فهي، في نهاية المطاف ،نتاج للمجتمع ولمساراته التربوية .فعندما تظل القيادة الحزبية حكرا على الذكور ، فإن ذلك يعكس خللا في منطق التأطير والتكوين لا في الكفاءة النسائية .فالتجرُبة أثبتت أن المرأة المغربية ، حين اتيحت لها الفرصة ، قادت وزارات ، وتولّت مسؤوليات اقتصادية ومالية كبرى ،ونجحت في تدبير قطاعات حساسة بكفاءة ومسؤولية. غير أن الأحزاب تتعامل مع القيادات النسائية بمنطق الدعم الثانوي وتستثمر الكفاء ة النسائية فقط انتخابيا دون أن تترجم سياسيا في لحظة الحسم .والإشكال لا يقتصر فقط على الفاعل الحزبي ، فالمجتمع بدوره لم يحسم بعد علاقته مع فكرة “امرأة على رأس السلطة التنفيذية ” إذ لا يزال جزء من المخيال الجماعي يربط القيادة السياسية بصورة نمطية للرجل بما تحمله من سلطة وخطاب وحضور ، وهو تصور غير معلن ، لكنه مؤثر في سلوك الناخب ، وفي حسابات الأحزاب التي تخشى المغارة خارج المألوف.
ومن منظور بيداغوجي ، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا ينبغي أن يُقْرَأَ كاستثناء أو “مكافأة رمزية ” بل كنتاج طبيعي لمسار تربوي يؤمن بالمساواة وتكافؤ الفرص .هو رسالة قوية للأجيال الصاعدة مفادها أن المدرسة ، حين تعلم القيم الديمقراطية يمكن أن تراها ملموسة في الواقع السياسي .
إن سؤال “متى تترأس امرأة الحكومة ؟”هو في جوهره ســؤال عن نوع المواطن (ة) الذي نكوِِّنه ، ونوع القيم التي نرسخها داخل المدرسة .فالديمقراطية لا تبدأ في صناديق الاقتراع فقط ،بل تبدأ في الفصل الدراسي ، حين نُعلّم ُ الطفل أن القيادة مسؤولية ، لا امتيازا مرتبطا بالجنس .
لذلك قد يكون حلم رئيسة حكومة مؤجّلا سياسيا ، لكنه يظل استحقاقا ديمقراطيا وتربويا قادما ، كلما نجحنا في بناء مدرسة تُربي على المساواة ، وتُؤمِن ُ بأن الكفاءة لا جنس لها ، وأن المستقبل يصنع بالتعليم قبل السياسة .

(*) أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق

 

You may also like

بالصور . مراكش.. المحاميات يخلدن اليوم العالمي للمرأة بندوة مهنية وإفطار رمضاني

هيئة التحرير مراكش – احتفاءً باليوم العالمي للمرأة