” فيضانات المغرب وطن يتكئ على تضامن شعب وحكمة ملك “

” فيضانات المغرب وطن يتكئ على تضامن شعب وحكمة ملك “

- ‎فيرأي
156
0

ابريك أمزون 

المغرب يمتحن

عندما تعلو المياه ، وتخفت الأصوات، وعندما يشتد البلاء ويضيق الفضاء ،لا يُقاس الوطن بما يُقال بل بما يُفعل، ولا توزن القيادة بما تعلن بل بما تتحمل ،في مواجهة لعنة السماء ،حيث المطر أسبق من الإنذار ، والسيول أسرع من الأخبار ،يقف المواطن مشدود القلب إلى وطنه ، ويقف الملك مشدود الفعل إلى شعبه ؛هدا يواجه الخطر بالصبر ، وذاك يُـواجِهُـه بالحكمة والتدبير. وحين يلتقي الصبر بالحكمة ، والتضامن بالمسؤولية ، لا تعود الكارثة قدرا أعمى ، بل امتحانا لوطن يسمع بنبضه قبل أذنه ، ويتجاوز المحنة بتلاحم يجعل من المواطن و الملك معــا سدا في وجه الفوضى ، وجوابا عمليا على قسوة الطبيعة وتقلباتها .
لم تكن الفيضانات التي عرفتها عدة مناطق بالمغرب مجرد حدث مناخي عابر ، بل لحظة فاصلة أعادت طرح أسئلة عميقة حول الجــاهــزية والإنصاف المجالي، وقدرة المجتمع والدولة على التفاعل المشترك في زمن الأزمات والمحن . فقد باغتت التساقطات المطرية القوية الحواضر والقرى وارتفعت منسوبات الأودية ، وانقطعت الطرق ، وتضررت المساكن والبيوت لتجد آلاف الأسر نفسها في مواجهة مباشرة مع خطر لم يمهلها وقتـــا للاستعداد .غير أن قسوة المشهد هذه ؛ لم تخف حقيقــــة أكثر رسوخا : أن المغرب ، حين يمتحن ، يستدعي أفضل ما فيه.
المواطن المغربي حين يتحول التضامن إلى فعل يومي
من قلب المناطق المتضررة – الريف وحوض اللوكوس وحوض سبــو … – برز المواطن المغربي فــاعلا لا متفرجا ، ومبادرا لا منتظرا ، شباب حملوا المجارف قبل الهواتف ، وجيران تقاسموا الخبـــز والمأوى قبل الأسئلة ، وتحول الجميع إلى خلية واحدة عنوانها ” النجدة أولا “.والمتتبع لم يكن يرى التضامن موسميا أو استعراضيا ، بل امتدادا لثقافة اجتماعية ضاربة في العمق ، حيث “التــــويـــزة” لم تعد شعارا تراثيا بل ممارسة حية تُستَدْعى كلما نادى الواجب !
الصحافة المحلية والجهوية والوطنية ، ووسائل التواصل الاجتماعي، لعبت بدورها دورا مزدوجا : نقلت حجم المعاناة ، لكنها في الوقت نفسه سرّعت من وثيرة التعبئة ، وربطت بين المتضررين والمحسنين ، وجعلت من المعلومة وسيلة إنقاذ لا مجرّد خبــــــــــر ، في اللحظة ذاتها استعاد المواطن ثقته في ذاته وفي مجتمعه ، رُغم زيف المُغْرِضين ، وأثبت أن الرأسمال اللا مادي للمغرب ليس رقمـــا في تقرير ، بل سلوكا سلوكا يظهر عند الشدة .
الدولة المغربية ..تدخل ميداني ومسؤولية مؤسساتية
بموازاة الزخم الشعبي ،كان حضور الدولة حاسما وواضحا ، فقد تدخلت السلطات المحلية ،ومصالح الوقاية المدنية مدعومة بالقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي وأبسط الموظفين ، لإنقاذ العالقين ، وتأمين المناطق المهددة ، وإعادة فتح المحاور الحيوية ، وتوفير المساعدات الأساسية من آليات تقنية وغذاء وغطاء وتطبيب .
هذا التدخــــــــل لم يكن ارتجاليا ، بل عَــكَــسَ تراكُـــم خبرة في تدبير الكوارث ، واستحضارا لمبدأ أساسي : أولــويـــــــة حمـــاية الأرواح ، ثم حمــــايــــة سبل العيش ،كما أبرز المستوى العالي للتنسيق بين مختلف المتدخلين ، وسرعة اتخاذ القرار في لحظات لا تحتمل التأجيــــل ولا الحسابات الضيقة .
جلالة الملك ..حكمة القيادة الإنسان أولا
في قلب هذا المشهد، تبرز حكمة القيادة الرشيدة لجلالة الملك ، التي أرست عبر السنوات مقاربة قوامها القرب من المواطن ، والاستباق قبل رد الفعل، والتعامل مع الأزمات باعتبارها مسؤولية سياسية وأخلاقية في آن واحد .فالتوجيهات الملكية الداعية إلى الوقاية الاستباقية ، والتضامن ،والعدالة المجالية ،والعناية بالفئات الهشة ، لم تبق حبيسة الخطاب ، بل تجسدت في آليات التدخل ، وفي منطق الدولة الاجتماعية الت لا تتخلى عن مواطنيها ساعة العســر.
والأهم أن التعاطي مع الفيضانات لم يتوقف عند حدود التدخل الاستعجالي الآني ، بل امتد إلى التفكير فيما بعد لكارثة: جبر الضرر، ودعم
المتضررين، ومراجعة سياسة التهيئة المجالية ، في ظل تحديات التغير المناخي التي لم تعد استثناء ،بل واقعا يفرض إعادة ترتيب الأولويات .
من المِحْــنَـــة إلـــى الـــدّرْس
كشفت الفيضانات، مرة أخرى ،عن الحاجة الملحة إلى تعزيز البنيات التحتية ،وتأهيل الوسطين الحضري والقروي، وتطوير شبكات تصريف المياه ، وبناء السدود التلية ، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر الأكثر نجاعة . لكنها أكدت أيضا ، أن أي سياسة ، مهما بلغت دقتها تظل ناقصة دون وعي المواطن بالمخاطر وانخراطه في التنمية، ودون ثقة متبادلة بين المجتمع والدولة .
لقد أثبت المغرب أن قوته الحقيقية تكمن في هذا التـــلاقي النادر بين شعب متضامن وقيادة واعية ، بين صبر القاعدة وحكمة القمة .فحين يتكئ المواطن على ملكه ، ويتكئ الملك على شعبه ، تتحول الكارثة إلى فرصة لإعادة البناء ماديا ومعنويا .
رغم التحديات ..عبــــور الأزمــة ممكـــن
إن الفيضانات ، رغم ما تخلفه من خسائر وآلام ، فإنها تُعيد التأكيد على حقيقة لا تغرقها السيول : المغرب وطن لا ينهار أمام الشدائد لأنه محصن بتآزر وتضامن أبنائه ، ومؤطَّر بحكمة وتبصر قيادته .قد تجرف المياه بعض الطرق ،لكنها لا تستطيع أن تجرف قـــيَـــمَــه ،ولا تُزَعْزِع عقدا اجتماعيا أثبت صلابته في أحلك الظروف .وهكذا يُواصل المغرب مساره ، ولا تضعُف إرادته في البناء والتقدم ، مُستخلِصا من المحن درسا ، ومن التضامن قـــوة ، ومن الحكمة بوصلة لمواجهة تحديات الغذ…
(*) أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

صور وفيديو. إجلاء ساكنة دوار السوالم بسيدي سليمان في عملية إنسانية تقودها القوات المسلحة الملكية

طارق أعراب في خطوة إنسانية تعكس الجاهزية العالية