انتقال طاقي على الورق فقط: المجلس الأعلى للحسابات يفضح أعطاب نموذج الطاقات المتجددة بالمغرب

انتقال طاقي على الورق فقط: المجلس الأعلى للحسابات يفضح أعطاب نموذج الطاقات المتجددة بالمغرب

- ‎فيإقتصاد, في الواجهة
157
التعليقات على انتقال طاقي على الورق فقط: المجلس الأعلى للحسابات يفضح أعطاب نموذج الطاقات المتجددة بالمغرب مغلقة

هيئة التحرير

       مرة أخرى، يضع المجلس الأعلى للحسابات السياسات العمومية المرتبطة بالطاقات المتجددة أمام محك الحقيقة، كاشفًا أن ما يُقدَّم رسميًا كـ“نجاح استراتيجي” لا ينعكس بالقدر نفسه على التنمية، الشغل، ولا العدالة المجالية، بل تحكمه اختلالات بنيوية وتأخر مؤسسي يهددان جدوى الرهان الطاقي برمته.

في تقريره برسم 2024-2025، لم يتردد المجلس في انتقاد بطء تحقيق الأهداف المعلنة، وضعف الأثر الاجتماعي والاقتصادي لمشاريع كلّفت الدولة مليارات الدراهم، خصوصًا في مناطق رُوّج لها كقلاع للانتقال الطاقي، من قبيل ورزازات والعيون وبوجدور.

آلاف فرص الشغل… أغلبها عابرة
صحيح أن مشاريع الطاقة الشمسية وفّرت أزيد من 8500 فرصة عمل خلال مراحل البناء، غير أن التقرير يوضح أن هذه المناصب مؤقتة في معظمها، بينما لم تتجاوز فرص الشغل القارة بمحطات كبرى مثل “نور ورزازات” حوالي 400 منصب، وهو رقم يطرح أكثر من علامة استفهام حول الخطاب الرسمي الذي يربط الطاقات المتجددة بالتنمية المستدامة.
الأكثر إثارة للانتباه، أن السكان المحليين ظلوا في الهامش، بفعل ضعف التنسيق مع الفاعلين الترابيين، ما جعل المشاريع الكبرى تمرّ فوق الأراضي دون أن تترك أثرًا اجتماعيًا حقيقيًا.

اندماج صناعي محدود… وتكنولوجيا لا تُنقل
وفي تشخيص لا يقل حدة، أكد المجلس أن الاندماج الصناعي في مشاريع “نور I وII وIII” ظل سطحيًا، محصورًا في الأشغال ذات القيمة المضافة الضعيفة، دون نقل فعلي للتكنولوجيا أو بناء خبرة وطنية قادرة على الاستمرار.
وبلغة الأرقام، لم يتجاوز معدل الاندماج الصناعي 42% في أفضل الحالات، بينما نزل إلى حدود 16% في مشاريع أخرى، ما يكشف أن المغرب لا يزال زبونًا تكنولوجيًا أكثر منه فاعلًا صناعيًا في هذا المجال.

“مازن” رهينة التأخير… والحكامة في مهب الريح
ومن بين أعطاب النموذج الطاقي، يسلط التقرير الضوء على التأخر غير المبرر في نقل منشآت الطاقات المتجددة من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب إلى وكالة “مازن”، رغم أن القانون حدّد أجلًا أقصاه شتنبر 2021.
هذا التأخير، حسب المجلس، لا يعكس فقط بطئًا إداريًا، بل اختلالًا في الحكامة وتنازعًا مؤسساتيًا يعرقل انسجام السياسة الطاقية ويُفرغ الإصلاحات من مضمونها.
خسائر بمليارات الدراهم… وكلفة ثقيلة على الدولة
اقتصاديًا، جاءت الأرقام صادمة:
تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية المركزة بلغت 1,61 درهم/كيلوواط ساعة سنة 2024، فيما راكمت مشاريع “نور” خسائر تقارب 4,9 مليار درهم إلى نهاية السنة نفسها، بسبب بيع الكهرباء بأقل من كلفتها الحقيقية.
صحيح أن مشاريع الطاقة الكهروضوئية خففت جزئيًا من هذه الخسائر، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: من يتحمل كلفة هذا الاختلال؟ الدولة أم المواطن؟

طاقات متجددة بخطاب طموح… وواقع أحفوري
رغم كل الشعارات، يعترف تقرير المجلس بأن المغرب لم يحقق أهدافه الطاقية المسطرة، إذ لم تتجاوز حصة الطاقات المتجددة 37% سنة 2020 بدل 42%، فيما ظل قطاع الطاقة الشمسية الحلقة الأضعف، بقدرة مثبتة لم تتجاوز 928 ميغاواط.
ويُرجع التقرير هذا التعثر إلى ضعف التنسيق بين “مازن” وONEE، وصعوبات العقار، وتأخر النصوص التنظيمية، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والتنفيذ الميداني.

رسائل مباشرة للحكومة
لم يكتف المجلس بالتشخيص، بل وجّه رسائل واضحة إلى الحكومة، داعيًا إلى:
تسريع إصلاح قطاع الكهرباء
الفصل الفعلي بين الإنتاج والنقل والتوزيع
استكمال نقل المنشآت إلى “مازن”
تحسين حكامة التمويل وتوجيهه نحو القيمة المضافة
جعل الانتقال الطاقي رافعة حقيقية للتنمية لا مجرد واجهة دولية.

ما يكشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات هو أن الانتقال الطاقي بالمغرب يعيش مفارقة خطيرة: مشاريع كبرى، تمويل ضخم، وخطاب رسمي متفائل… مقابل أثر اجتماعي محدود، كلفة مرتفعة، وحكامة مرتبكة.
فهل نحن أمام اختيار استراتيجي يحتاج فقط إلى تصحيح المسار، أم أمام نموذج بُني على منطق الواجهة أكثر من منطق الأثر؟
سؤال يضع الحكومة وصنّاع القرار أمام مسؤولية سياسية لا تقبل مزيدًا من التأجيل.

You may also like

اغتيال سيف الإسلام القذافي… تصفية سياسية تُربك المشهد الليبي وتعيد الجزائر إلى واجهة الأسئلة

هيئة التحرير في واقعة تهزّ ما تبقى من