افتتاحية. كلامكم..

افتتاحية. كلامكم..

- ‎فيبلاحدود, في الواجهة
81
0

هيئة التحرير

ليس من الدقة ولا من النزاهة الفكرية تحويل قرار قضائي ذي طبيعة دستورية محددة إلى بيان سياسي أو محاكمة أخلاقية شاملة لمسار قطاع بكامله. فقرار المحكمة الدستورية بشأن قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة يندرج، من حيث طبيعته ووظيفته، في إطار رقابة مطابقة النصوص التشريعية للدستور، لا في خانة “الفتاوى” ولا في سجل الإدانة التاريخية لمرحلة أو فاعلين.

المحكمة لم تفعل أكثر – ولا أقل – من ممارسة اختصاصها الدستوري: فحص مقتضيات بعينها، وإقرار مخالفة بعضها للدستور، مع التصريح في المقابل بدستورية مقتضيات أخرى كانت محل جدل واسع. ومن ثم، فإن اختزال القرار في مادة واحدة، أو تقديمه باعتباره إسقاطاً شاملاً لمسار تدبير استمر لسنوات، هو قفز على منطوق الحكم وتعليلاته، وإقحام لما هو سياسي وتقييمي في ما هو قانوني صرف.

لقد شددت المحكمة على مبدأ التعددية التمثيلية، باعتباره قيداً دستورياً يمنع الاحتكار والانفراد داخل التنظيم المهني، لا باعتباره تفويضاً لتصفية تنظيمات أو إسقاط “تيارات” أو إعلان فشل مرحلة بأكملها. التعددية هنا قيمة ضابطة، لا سلاحاً إقصائياً، ومعياراً لضبط هندسة التمثيل، لا أداة لإعادة كتابة التاريخ أو توزيع صكوك البراءة والإدانة.

والأخطر في الخطاب الذي يواكب هذا القرار، هو الخلط المتعمد بين اختلالات بنيوية تعرفها الصحافة – اقتصادياً وأخلاقياً ومهنياً – وبين مقتضيات قانونية محددة تتعلق بتركيبة مجلس مهني وآليات تمثيله. فالانهيار الاقتصادي للمقاولات، وأزمة النموذج الإعلامي، وتراجع الثقة المجتمعية، قضايا أعمق وأعقد من أن تُختزل في مادة قانونية أو في طريقة انتخاب مجلس. ربط هذه الأزمات بقرار المحكمة لا يخدم الحقيقة، بل يهرب من النقاش الجاد حول أسبابها الفعلية ومسؤولياتها المتعددة.

كما أن الادعاء بأن “كل الجسم الصحافي” أو “المجتمع برمته” يقف في صف واحد ضد مسار بعينه، يظل خطاباً إنشائياً يفتقر لأي سند موضوعي. القضاء الدستوري لا يقيس المزاج العام، ولا يحتكم إلى بيانات نوايا أو شعارات احتجاج، بل إلى نصوص ومعايير وضوابط دقيقة. ومن يبتغي الحديث باسم الجميع، فعليه أن يقدم الوقائع لا الانطباعات.

إن قرار المحكمة الدستورية، في جوهره، فرصة لإعادة ضبط الإطار القانوني للتنظيم الذاتي للمهنة بما ينسجم مع الدستور، لا ذريعة لتأجيج خطاب الشيطنة أو تصفية الحسابات. تحويل هذا القرار إلى لحظة “انتصار أخلاقي” أو “سقوط فلسفي” لخصوم مفترضين، لا يخدم الصحافة ولا يعيد لها اعتبارها، بل يكرس منطق الاستقطاب ذاته الذي يُقال إن القرار جاء لإنهائه.

الرهان الحقيقي اليوم ليس في المبالغة في قراءة الحكم، ولا في تحميله ما لا يحتمل، بل في احترام حدوده، والبناء عليه بعقلانية لإصلاح تشريعي متوازن، يعزز التعددية دون فوضى، ويؤسس لتنظيم مهني ديمقراطي دون تحويل القضاء إلى منصة للصراع السياسي.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

انهيار مميت بورش بناء فندق “أطلس إسني” بالحي الشتوي يهز مراكش

خولة العدراوي شهد ورش بناء فندق “أطلس إسني”