بين “امتياز الدولار” وهشاشة الدرهم: لماذا تطبع أمريكا بلا خوف بينما يحسب المغرب كل درهم؟

بين “امتياز الدولار” وهشاشة الدرهم: لماذا تطبع أمريكا بلا خوف بينما يحسب المغرب كل درهم؟

- ‎فيإقتصاد, في الواجهة
6411
0

حكيم شيبوب

يثير موضوع طباعة النقود جدلاً واسعاً كلما تعلق الأمر بالمقارنة بين الولايات المتحدة ودول نامية مثل المغرب، حيث يبدو المشهد غير متكافئ إلى حد الاستفزاز: أمريكا تطبع الترليونات ولا ينهار اقتصادها، بينما يكفي توسيع محدود في الكتلة النقدية بدول أخرى ليشعل التضخم ويضغط على القدرة الشرائية. هذا التناقض لا يعود إلى خرق الولايات المتحدة لقوانين الاقتصاد، بل إلى موقعها المهيمن داخل النظام المالي العالمي، مقابل هشاشة الهوامش المتاحة لدول مثل المغرب.

الولايات المتحدة لا تملك فقط اقتصاداً قوياً، بل تملك قبل ذلك عملة تحولت من وسيلة أداء وطنية إلى أداة سيطرة عالمية. الدولار هو العملة المرجعية للتجارة الدولية، وهو الوعاء الذي تُخزن فيه احتياطات البنوك المركزية، والملاذ الذي يهرب إليه المستثمرون في أوقات الأزمات. لذلك، حين تخلق أمريكا نقوداً جديدة، فإن جزءاً كبيراً منها لا يبقى داخل حدودها، بل يتسرب إلى الخارج حيث يُستهلك أو يُدخر أو يُعاد تدويره في الأسواق العالمية. بهذا الشكل، لا يتراكم الضغط التضخمي داخل الاقتصاد الأمريكي فقط، بل يتوزع على العالم بأسره، في ما يشبه تصدير التضخم بدل تحمله داخلياً.

في المقابل، يشتغل المغرب في إطار مختلف تماماً. الدرهم المغربي عملة وطنية محلية، لا تُستعمل في المبادلات الدولية ولا تحظى بثقة عالمية تجعلها مخزناً للقيمة خارج الحدود. أي درهم إضافي يُخلق يبقى محصوراً داخل السوق الوطنية، يتحول مباشرة إلى طلب على السلع والخدمات، وإذا لم يكن هذا الطلب مدعوماً بزيادة في الإنتاج، فإن النتيجة تكون ارتفاعاً في الأسعار. لهذا السبب، يظل بنك المغرب حذراً في سياساته، مضطراً إلى ربط أي توسع نقدي بالنمو الحقيقي للاقتصاد، وبمستوى الاحتياطي من العملة الصعبة، وبالتوازنات الاجتماعية.

رغم ما يبدو من استقلال نقدي، فإن المغرب يعيش عملياً داخل منظومة يهيمن عليها الدولار. فاستيراد الطاقة والمواد الأولية يتم بالدولار، واحتياطات العملة الصعبة تُبنى أساساً عليه، وأي اهتزاز في قيمته أو في السياسة النقدية الأمريكية ينعكس تلقائياً على الاقتصاد المغربي. حين تطبع الولايات المتحدة الدولار، قد لا يظهر التضخم فوراً في شوارع نيويورك، لكنه يصل سريعاً إلى دول مثل المغرب عبر ارتفاع أسعار القمح أو النفط أو الشحن، ليجد المواطن نفسه يؤدي فاتورة قرارات لم يكن طرفاً فيها.

لهذا السبب، لا يملك المغرب ترف المجازفة النقدية. طباعة الدرهم ليست حلاً لمشاكل النمو أو البطالة أو العجز الاجتماعي، لأنها ببساطة لا تخلق الثروة، بل توزع طلباً إضافياً على اقتصاد محدود الإمكانيات. البديل الوحيد الممكن يمر عبر تقوية الإنتاج الوطني، ورفع القيمة المضافة، وتقليص التبعية للخارج، وهي مسارات بطيئة لكنها أقل خطورة من وهم خلق النقود.

الفارق الجوهري إذن ليس في القوانين الاقتصادية، لأن التضخم يخضع للمنطق نفسه في كل مكان، بل في ميزان القوة والثقة. الولايات المتحدة تطبع لأن العالم يثق في عملتها ويستعملها، ولأنها قادرة على دفع جزء كبير من كلفة اختياراتها إلى الخارج. أما المغرب، فيظل مطالباً بالحذر، لأن أي خطأ نقدي لا يُصدَّر، بل يُستهلك داخلياً، ويؤدي ثمنه المواطن مباشرة في معيشه اليومي. هذه هي حقيقة النظام المالي العالمي: عملة تملك امتياز الهيمنة، وعملات أخرى مضطرة للتعايش معها بشروط قاسية.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

القصر الكبير.. تعبئة شاملة لإنقاذ المتضررين

طارق أعراب تشهد مدينة القصر الكبير، منذ الساعات