التعميم في المدرجات… حين يتحول خطاب “مناهضة العنصرية” إلى إقصاء فكري

التعميم في المدرجات… حين يتحول خطاب “مناهضة العنصرية” إلى إقصاء فكري

- ‎فيرأي, في الواجهة
9812
0

هيئة التحرير

التعميم هنا أخطر من “الهوليغانز” أنفسهم. تحويل كرة القدم إلى شماعة لتصفية حسابات إيديولوجية رخيصة، ووصم جماهير كاملة بالعنصرية واليمن المتطرف، هو كسل فكري قبل أن يكون موقفًا سياسياً. كرة القدم فضاء شعبي متنوع، فيه الواعي وفيه الغاضب وفيه البسيط، لكن من يختزلها في “خفيفين وخفافيش” إنما يكشف عن احتقار طبقي مقنّع أكثر مما يكشف عن وعي ديمقراطي.

الديمقراطية لا تحتاج إلى “مناضلين” يوزعون شهادات الأخلاق من المدرجات الافتراضية، بل إلى عقل نقدي لا يسقط في نفس الفاشية التي يدّعي محاربتها.

المشكلة ليست في الإشارة إلى مظاهر عنصرية أو انزلاقات إيديولوجية داخل بعض المدرجات، فهذا نقاش مشروع وضروري، بل في التعميم الكسول الذي يحوّل كرة القدم، بكل تعقيدها الاجتماعي والثقافي، إلى مجرد مصنع لـ“اليمين الهوياتي” و“الخفيفين”. هنا بالضبط ينقلب الخطاب من نقد إلى وصم جماعي، ومن دفاع عن القيم إلى ممارسة شكل آخر من الإقصاء.

كرة القدم ليست حزباً سياسياً ولا ندوة فكرية، بل مرآة مجتمع واسع، غير متجانس، فيه الغضب والفرح، الوعي والارتجال، الاحتجاج والعبث. من يطالب الجماهير الشعبية بأن تتصرف وفق قوالب “نخبوية” جاهزة، أو أن تمرّ عبر امتحان أيديولوجي قبل الهتاف، إنما يمارس احتقاراً طبقياً مقنّعاً باسم التقدمية.

الأخطر أن هذا الخطاب يدّعي محاربة الفاشية، بينما يستعمل أدواتها نفسها:
التصنيف، التخوين، التجريد من التعقيد الإنساني، والحديث من علٍ. وكأن الديمقراطية لا تُبنى إلا عبر نخبة “نقية” تفهم وحدها، والباقي مجرد خفافيش قابلة للتوظيف أو الإدانة.
نعم، العنصرية مرفوضة أينما وُجدت، لكن محاربتها لا تكون بتعميم أعمى ولا بتحويل الجماهير إلى كتل جاهلة. الديمقراطية التي تحتاج إلى شتم الناس بدل إقناعهم، وإلى الوصاية بدل الحوار، ليست ديمقراطية… بل نسخة مهذبة من الإقصاء الذي تزعم مقاومته.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

افتتاحية. كلامكم..

هيئة التحرير ما سيأتي بعد الكاف لا يقل