هيئة التحرير
تفرض المرحلة الراهنة على المغرب قراءة عميقة لمحيطه الإقليمي والدولي، بعيدًا عن منطق العاطفة والاندفاع، وقائمة على تعزيز الجبهة الداخلية باعتبارها الركيزة الأساسية لأي قوة إقليمية صاعدة. فالدروس المستخلصة من التفاعلات الأخيرة، سواء رياضيًا أو سياسيًا أو إعلاميًا، تؤكد أن متانة الداخل هي الضامن الأول للاستقرار والقدرة على مواجهة التحولات.
في هذا السياق، يبرز مطلب تقوية الترسانة الدفاعية المغربية بأسلحة حديثة ومتطورة، ليس في منطق سباق التسلح، بل في إطار الدفاع المشروع عن السيادة وحماية المصالح الاستراتيجية. فالأمن القومي لم يعد مسألة حدود فقط، بل أصبح مرتبطًا بالردع، والجاهزية، والتكنولوجيا المتقدمة.
غير أن القوة لا تُقاس بالبعد العسكري وحده. إذ يظل الاستثمار في البنية التحتية—من مستشفيات عمومية حديثة، ومدارس ذات جودة، وتعليم قوي ومنصف—عنصرًا حاسمًا في بناء دولة واثقة من نفسها. فالأمم القوية هي التي توازن بين الأمن الصلب والأمن الاجتماعي، وتدرك أن الإنسان المتعلم والمعافى هو خط الدفاع الأول.
الأحداث الأخيرة كشفت أيضًا بوضوح حقيقة بعض المواقف داخل المحيط الإفريقي والعربي، حيث برزت اصطفافات غير متوقعة، وظهرت ممارسات تنمّر إعلامي ورقمي تجاه المغرب، ما فرض إعادة تقييم منطق “الأخوة” الذي ظل يُرفع كشعار أكثر مما يُترجم كواقع. هذا لا يعني القطيعة، بل يعني الوضوح في العلاقات، ووضع المصالح الوطنية فوق المجاملات الظرفية.
في المقابل، تبرز أهمية تعزيز الشراكات مع الأصدقاء الحقيقيين، خاصة داخل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تقوم العلاقات على المصالح المتبادلة، والوضوح، والالتزامات الاستراتيجية طويلة المدى، بعيدًا عن الازدواجية في الخطاب أو المواقف.
المرحلة المقبلة تفرض على المغرب أن يكون أكثر حزمًا في اختياراته، وأكثر استقلالية في قراراته، دون عداء مجاني ولا سذاجة سياسية. فالدولة القوية لا تبحث عن التصفيق، بل عن الاحترام، ولا تبني مستقبلها على الانطباعات، بل على الوقائع والتحالفات المتينة.
إن تقوية الداخل، عسكريًا واجتماعيًا وتعليميًا، مع إعادة ترتيب العلاقات الخارجية على أساس الندية والمصلحة، هو الطريق الواقعي لضمان مغرب قوي، مستقل القرار، واضح الرؤية، وقادر على فرض مكانته دون ضجيج.