نورالدين بازين
مع اقتراب أفق سنة 2026، لم يعد المشهد السياسي المغربي يتحرك فقط بمنطق التحالفات الانتخابية أو البرامج الحزبية، بل دخل مرحلة أكثر عمقًا، عنوانها إعادة ترتيب النخب وتداول أسماء وازنة لقيادة الحكومة والأحزاب الكبرى، في ظل سياق وطني يتسم بتعقّد التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع منسوب الثقة في الفعل السياسي التقليدي.
المنصوري وبركة: سباق هادئ على رئاسة الحكومة
في واجهة هذا المشهد، يبرز اسم فاطمة الزهراء المنصوري كأحد أكثر الأسماء تداولًا داخل دوائر القرار والحسابات السياسية، كمرشحة محتملة لرئاسة الحكومة المقبلة. المنصوري، التي راكمت تجربة سياسية وتنفيذية وازنة، سواء من خلال تدبيرها المحلي أو موقعها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، تُقدَّم كوجه سياسي قادر على مخاطبة الدولة من داخل منطق الاستقرار، وفي الآن ذاته مخاطبة الشارع بخطاب عقلاني أقل تصادمًا.
قوة المنصوري لا تكمن فقط في موقعها الحزبي، بل في قدرتها على التموضع كحل توافقي في مرحلة قد تتطلب قيادة حكومية تمزج بين السياسة والتدبير، خاصة إذا ما اختارت الدولة تفادي المغامرات السياسية أو الشعبوية.
في المقابل، يظل نزار بركة منافسًا جديًا في هذا السباق. الأمين العام لحزب الاستقلال يقود حزبًا ذا امتداد تاريخي وتنظيمي عميق، واستفاد خلال السنوات الأخيرة من حضوره في قطاعات استراتيجية، ما منحه صورة “رجل الدولة” أكثر من مجرد زعيم حزبي. غير أن التحدي الأكبر أمام بركة يبقى في تحويل الإرث الحزبي إلى أغلبية انتخابية صلبة، قادرة على منحه رئاسة الحكومة لا مجرد موقع داخلها.
الأحرار على مفترق طرق: ما بعد أخنوش
بموازاة سباق رئاسة الحكومة، يعيش حزب التجمع الوطني للأحرار لحظة مفصلية، مع تصاعد الحديث عن مرحلة ما بعد عزيز أخنوش. فالحزب، الذي قاد الحكومة في ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة، بات مطالبًا بإعادة تقييم تجربته، وطرح سؤال القيادة المستقبلية، سواء من داخل الحزب أو من خارجه.
في هذا الإطار، يبرز اسم مصطفى التراب، المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط، كأحد الأسماء الثقيلة التي يُقال إنها تُتداول بقوة لتعويض أخنوش على رأس الحزب. التراب يمثل نموذج التكنوقراطي الاستراتيجي، الذي نجح في تحويل مؤسسة عمومية إلى فاعل عالمي، ما يجعله، في نظر داعمي هذا الخيار، مؤهلًا لقيادة مرحلة تُغَلَّب فيها الكفاءة الاقتصادية على الخطاب السياسي الكلاسيكي.
غير أن هذا الخيار، إن تحقق، سيعيد طرح سؤال العلاقة بين السياسة والاقتصاد، وبين الحزب كمؤسسة انتخابية، والقيادة القادمة من خارج الشرعية الحزبية.
مريم بنصالح: المال يدخل المنافسة
وإلى جانب التراب، برز اسم مريم بنصالح شقرون بقوة داخل الكواليس، كمرشحة محتملة للتنافس على رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار. بنصالح، الرئيسة السابقة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، تمثل نموذجًا آخر لقيادة ذات خلفية اقتصادية، لكن بواجهة مختلفة: واجهة التمثيلية المقاولاتية والانفتاح على شبكات المال والأعمال.
دخول بنصالح على خط المنافسة لا يعكس فقط بحث الحزب عن وجوه جديدة، بل يكشف أيضًا عن تحول أعمق في طبيعة القيادة الحزبية، حيث لم يعد الانتماء التنظيمي الصرف شرطًا أساسيًا، بقدر ما أصبحت الكفاءة، والعلاقات، والقدرة على طمأنة الفاعلين الاقتصاديين عناصر حاسمة.
كما أن ترشيح اسم نسائي وازن مثل بنصالح قد يُستثمر سياسيًا في إطار خطاب تجديد النخب وتمكين المرأة، وهو خطاب يحظى بدعم مؤسساتي واضح.
2026: انتخابات أم إعادة هندسة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن انتخابات 2026 لن تكون مجرد تنافس انتخابي عادي، بل محطة لإعادة هندسة المشهد السياسي:
فاطمة الزهراء المنصوري تمثل خيار القيادة السياسية التوافقية؛
نزار بركة يجسد استمرارية الحزب التاريخي الباحث عن العودة إلى الصدارة؛
مصطفى التراب ومريم بنصالح يعكسان صعود منطق الكفاءة الاقتصادية داخل الفعل الحزبي.
بين هذه الأسماء، يتبلور سؤال مركزي: هل تتجه البلاد نحو حكومة سياسية بواجهة حزبية واضحة، أم نحو نموذج هجين يقوده تكنوقراط بغطاء حزبي؟
الجواب لن يُحسم فقط عبر صناديق الاقتراع، بل أيضًا في الكواليس، حيث تُرسم التوازنات الكبرى، ويُحدَّد شكل القيادة التي ستقود المغرب في مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي والاقتصادي.