طارق أعراب/تصوير:ف. الطرومبتي
مرة أخرى، تؤكد الوقائع أن الإشكال في ساحة جامع الفنا لا يكمن في الأشغال ولا في كلفتها، بل في غياب الصرامة في التدبير والمراقبة. فبعد أيام قليلة فقط من تبليط الساحة بزليج جديد، أُنجز في ظرف قياسي، عاد المشهد المألوف: أرضية متسخة، لونها يميل إلى السواد، وضياع جديد لمجهود كان من المفروض أن يصمد لسنوات لا لأيام.
السلطات المحلية كانت قد أقرت، نظريًا، تنظيم عمل أصحاب الجلسات عبر تقسيمهم إلى مجموعتين، كل واحدة تضم 32 حنطة، أي ما مجموعه 64 حنطة، على أساس الاشتغال بالتناوب أسبوعًا بعد أسبوع، في محاولة للتخفيف من الضغط على الأرضية الجديدة وضمان حد أدنى من النظام.
غير أن هذا القرار ظل حبرًا على ورق. فغياب الصرامة في التنفيذ، وتحديدًا غياب دور السلطة المحلية بالمدينة القديمة في فرض هذا التنظيم، فتح الباب أمام منطق الأمر الواقع. إذ تُرك المجال لأصحاب الجلسات ليقرروا بأنفسهم، فاتفقوا على الاشتغال جميعًا وبدون أي توزيع أو احترام للجدولة المعتمدة، في استخفاف واضح بقرارات السلطة وبجمالية الفضاء العمومي.
هذا التراخي الإداري كان له ثمن مباشر: الزليج الذي لم يجف بعد، لم يتحمل الاستغلال المكثف والعشوائي، فتحول سريعًا إلى بقع سوداء، في مشهد يسيء إلى صورة الساحة باعتبارها واجهة سياحية عالمية وموروثًا ثقافيًا مصنفًا.
إن ترك تنظيم ساحة بحجم ورمزية جامع الفنا بيد أصحاب المصالح المباشرة، دون مراقبة ميدانية صارمة، هو وصفة جاهزة للفوضى. فالسلطة التي لا تُنفّذ قراراتها، تفقد هيبتها، وتحوّل التنظيم إلى مجرد اقتراح قابل للتفاوض أو التجاوز.
ما وقع يطرح سؤالًا واضحًا لا يقبل الالتفاف: أين كانت السلطة المحلية، وعلى رأسها سلطات المدينة القديمة، عندما تم خرق قرار التقسيم؟ ولماذا تُرك المجال لمنطق “دبّر راسك” في فضاء يُفترض أن يُدار بقواعد دقيقة وحازمة؟
ساحة جامع الفنا لا تحتاج إلى مزيد من التبليط بقدر ما تحتاج إلى حزم إداري حقيقي، يضع حدًا للفوضى، ويؤكد أن القرارات التنظيمية ليست قابلة للتأجيل أو التوافقات الجانبية. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل “عادة حليمة” أقوى من كل أشغال التهيئة، وسيظل الزليج أول ضحية لغياب الصرامة.