رشيد سرحان
لم يكن عبور المنتخب الوطني المغربي يوم الاثنين 5 يناير الجاري إلى ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم المقامة على أرضه مجرد تأهل رياضي عابر، بل محطة مشحونة بالرموز والدلالات، تختصر مسار منتخب يسير بثبات فوق أرضه، لكنه يستعد لاختبار ثقيل يستحضر فيه الماضي بقدر ما يراهن على الحاضر. فالفوز الصعب على تنزانيا بهدف دون رد، مساء الأحد بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، فتح باب العبور، لكنه في الآن ذاته كشف عن حجم التحدي المقبل، حين فرضت النتائج مواجهة قارية بنكهة تاريخية أمام الكاميرون.
المنتخب المغربي، الذي تجاوز الدور الثاني للمرة السادسة في تاريخه الإفريقي، انتصر على خصم عنيد اختار مفاجأته باندفاع هجومي مبكر أربك الحسابات في الدقائق الأولى، وكاد أن يترجم إلى هدف مباغت لولا رعونة اللمسة الأخيرة. غير أن ضغط “الأسود” واستحواذهم التدريجي على وسط الميدان أعادا ترتيب المشهد، ليتحول اللقاء إلى مواجهة صبر طويلة أمام تكتل دفاعي تنزاني محكم، صمد شوطًا كاملًا قبل أن تنكسر شفرته في الدقيقة 64 بلمسة فردية لبراهيم دياز، أعادت الهدوء للمدرجات وأكدت أن الحلول الفردية تظل حاسمة حين تضيق المساحات.
ذلك الهدف لم يكن فقط بطاقة عبور، بل إعلانًا عن لاعب بات عنصر توازن في منظومة الركراكي، في مباراة احتاج فيها المنتخب الوطني إلى كثير من الهدوء الذهني، وقليل من المغامرة. فبين رأسية الكعبي التي جاورت القائم، وتسديدة حكيمي التي أوقفتها العارضة، ظل التفوق المغربي دون ترجمة رقمية، إلى أن منح دياز الانتصار شكله النهائي، في لقاء غلب عليه النفس التكتيكي أكثر من الفرجة.
في الجهة الأخرى من الرباط، كانت الكاميرون تحجز مقعدها في الدور ذاته، بعد فوزها على جنوب إفريقيا بهدفين مقابل واحد، مؤكدة مرة أخرى أنها لا تزال أحد أكثر المنتخبات الإفريقية خبرة في إدارة المباريات الإقصائية. انتصار “الأسود غير المروّضة” لم يكن مجرد نتيجة، بل استدعاء تلقائي لذاكرة ثقيلة في الوعي الكروي المغربي، ذاكرة تعود إلى أمم إفريقيا 1988 و1992، حيث شكلت الكاميرون عقدة تاريخية لم ينجح المغرب في فكها قاريا.
هذا الإرث الثقيل فرض نفسه مبكرًا على تحضيرات المنتخب الوطني، إذ اختار وليد الركراكي إعلان حالة تركيز قصوى، بمنع اللاعبين من التفاعل مع الضغوط الخارجية، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الانشغال بالعروض الاحترافية، في رسالة واضحة مفادها أن المرحلة القادمة لا تحتمل هامش الخطأ. فالأرقام، كما قال الناخب الوطني، لا تجامل، وسجل المواجهات يميل بوضوح لصالح الخصم، ما يفرض مقاربة ذهنية مختلفة قبل أن تكون تكتيكية.
غير أن هذا الاستعداد يأتي في ظل معطى مقلق، يتمثل في إصابة عز الدين أوناحي، التي أنهت رسميًا مشواره في البطولة. غياب متوسط الميدان الديناميكي لا يُقرأ فقط كخسارة تقنية، بل كفراغ رمزي في لاعب يجسد الروح القتالية والتحول السريع بين الدفاع والهجوم. ومع ذلك، حرصت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على التأكيد أن أوناحي سيبقى حاضرًا مع المجموعة، في صورة تعكس رهان المنتخب على التلاحم المعنوي كجزء من معركته المقبلة.
وبين حصة لإزالة العياء بمركب محمد السادس، وتحضيرات تكتيكية خاصة لمواجهة الكاميرون، يبدو المنتخب المغربي أمام منعطف حاسم في بطولة يحتضنها بدعم جماهيري كبير وطموح وطني واضح. مواجهة الجمعة المقبلة لن تكون مجرد مباراة ربع نهائي، بل لحظة اختبار لذاكرة المنتخب، وقدرته على التحرر من أثقال الماضي، وكتابة فصل جديد في علاقة مع خصم طالما شكّل حاجزًا نفسيًا قبل أن يكون رياضيًا.
هكذا، يدخل “أسود الأطلس” موعدهم القادم وهم يحملون انتصارًا شحيحًا في الجيب، وجرحًا قديمًا في الذاكرة، وأملًا جماعيًا في أن تتحول الأرض والجمهور والتركيز إلى مفاتيح لعبور يتجاوز مجرد التأهل… نحو مصالحة كروية طال انتظارها.