شظايا العارفين: من القصيدة إلى الرؤيا الفلسفية–العرفانية قراءة عاشقة في مشروع محمد أمين ماكامان

شظايا العارفين: من القصيدة إلى الرؤيا الفلسفية–العرفانية قراءة عاشقة في مشروع محمد أمين ماكامان

- ‎فيفن و ثقافة
4456
0

نورالدين بازين

لا يمكن مقاربة ديوان «شظايا العارفين» بوصفه منجزًا شعريًا ينتمي إلى أفق الغنائية أو البوح الذاتي التقليدي، بل هو نصٌّ يتقصّد منذ عتبته الأولى أن يخلخل هذا التصنيف، وأن يضع القارئ أمام تجربة معرفية تتوسّل الشعر بوصفه أفقًا للرؤيا لا مجرد وعاء للتعبير. فالشعر هنا لا يُكتب ليُقال، بل ليُفكَّر فيه، ولا يُقصد به إمتاع الحس فقط، بل إيقاظ الوعي وإرباك يقيناته.


إن ما يشتغل عليه محمد أمين ماكامان في هذا الديوان هو نقل القصيدة من وظيفتها الجمالية الخالصة إلى وظيفتها الوجودية–المعرفية، حيث تتحول اللغة إلى وسيلة كشف، ويغدو النص الشعري ضربًا من التفكير الحدسي الذي يسبق المفهوم، ويمهّد له.
 الشذرة بوصفها موقفًا معرفيًا
اختيار الشذرة أو الومضة ليس اختيارًا شكليًا عابرًا، بل هو موقف فلسفي من الحقيقة والمعرفة. فـ«الشظايا» تحيل إلى وعيٍ حادٍّ بأن الكلّ ممتنع، وأن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تتجلّى في انكسارات متتالية. وهذا الوعي يضع الديوان في تماس عميق مع تراث العرفان الإسلامي، خصوصًا عند النفّري في المواقف والمخاطبات، حيث المعرفة ليست امتلاكًا بل وقوفٌ دائم في منطقة الالتباس والكشف المؤجَّل.
كما تتقاطع هذه الرؤية مع التصور الوجودي عند محيي الدين ابن عربي، الذي يرى أن الوجود تجلٍّ مستمر، وأن الحقيقة لا تُدرَك بالعقل المفهومي وحده، بل بالذوق والتجربة والحدس. من هنا، تصبح الشذرة في «شظايا العارفين» شكلًا من أشكال التجلي اللغوي، لا تشرح بقدر ما تلمّح، ولا تُغلق المعنى بل تفتحه على احتمالات متعددة.

 القلق الوجودي وتحويله عرفانيًا
يحضر القلق الوجودي في الديوان بوصفه نواة شعورية مركزية: قلق المعنى، قلق الحرية، قلق الوعي بالذات في عالم متصدّع. وهي ثيمات تُذكّرنا بالفكر الوجودي كما تبلور عند فيودور دوستويفسكي، حيث الإنسان كائن ممزّق بين التوق إلى المعنى والخوف من مسؤوليته، وبين الرغبة في الحرية وثقل نتائجها الأخلاقية.


غير أن ماكامان لا يقيم في القلق بوصفه أفقًا نهائيًا، ولا ينزلق إلى العدمية أو العبث، بل يُعيد توجيه القلق نحو أفق عرفاني، يجعل من الألم شرطًا للوعي، ومن الانكسار لحظة صفاء محتملة. القلق هنا ليس مرضًا وجوديًا، بل علامة يقظة، ودليلًا على أن الذات لم تستسلم بعد لمعنى جاهز أو هوية مُعلّبة.
 العارف بوصفه إنسانًا حديثًا
العارف في هذا الديوان لا يشبه صورة المتصوف المنعزل أو الزاهد المنقطع عن العالم، بل هو إنسان معاصر، يعيش ضغط اليومي، واصطدام الواقع، وتناقضات الحياة الحديثة. إنه ذات تعيش في المدينة، في الضجيج، في التمزق، لكنها تحاول أن تستخرج من هذا الركام معنى، أو أثرًا للصفاء.
وهنا تكمن حداثة التجربة: العرفان لم يعد خطابًا تعليميًا أو أخلاقيًا، بل تجربة ذاتية مفتوحة، تتأسس على السؤال لا على الجواب، وعلى الشك المنتج لا على اليقين المغلق. وهذا ما يجعل الديوان قريبًا من القارئ الحديث، الذي يعيش التوتر نفسه بين الروح والواقع، بين الرغبة في الطمأنينة ووعي هشاشتها.


 من الشعر إلى المشروع الفلسفي
يمكن قراءة «شظايا العارفين» بوصفه الطبقة الشعرية–الحدسية لمشروع فكري أوسع، يشتغل عليه محمد أمين ماكامان، ويتجلّى في مشروعه الفلسفي المعنون ب«الإنسان المحض». فالديوان يطرح الأسئلة بلغة الشذرة والذوق، بينما يسعى المشروع الفلسفي إلى مقاربتها بلغة المفهوم والتحليل.
إننا أمام انتقال واعٍ من التجربة إلى النظرية، ومن الرؤيا إلى المفهوم، دون قطيعة بين المستويين. فالشعر هنا ليس نقيض الفلسفة، بل شرطها التأسيسي، ومختبرها الأول. والجامع بين العملين هو سؤال الإنسان:
من هو؟ ما حدود وعيه؟ كيف يمكن له أن يحيا قلقه دون أن يتحطم؟ وكيف يصالح بين هشاشته الوجودية وتوقه العرفاني إلى الصفاء؟
 كتابة ضد الفصل بين الشعر والفكر
تكمن أهمية «شظايا العارفين» في كونه يقاوم الفصل السائد بين الإبداع والتفكير، بين الشعر والفلسفة، بين الجمالي والمعرفي. إنه ديوان لا يُقرأ فقط، بل يُعاش ويُفكَّر فيه، ويقترح نموذجًا لكتابة ترى في الأدب أداة لإنتاج المعنى، لا مجرد استهلاكه.
ومن هذا المنظور، يقدّم محمد أمين ماكامان إضافة نوعية إلى المشهد الثقافي المغربي المعاصر، عبر مشروع يسعى إلى إعادة الاعتبار لسؤال الإنسان، لا بوصفه موضوعًا أدبيًا أو فلسفيًا معزولًا، بل بوصفه إشكالًا مفتوحًا، لا يُحلّ، بل يُصاحب، ويُعاد طرحه باستمرار.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

ولاية طنجة – تطوان – الحسيمة تفند إشاعات إحصاء مرحّلي القصر الكبير بطنجة وتدعو إلى تحرّي الدقة

نهيلة عصمان فندت ولاية جهة طنجة – تطوان