نورالدين بازين
مع إعلان القرار المشترك الذي وقّعه وزير الثقافة محمد المهدي بنسعيد ووزير المالية فوزي لقجع، وُضعت المقاولات الصحفية الصغيرة أمام مقصلة قد تقطع حبل استمراريتها في المشهد الإعلامي الوطني. يُقدم القرار على أنه إصلاح، لكنه في الحقيقة يكرّس الإقصاء والتهميش. ما الذي يجعل هذا القرار موضع احتجاج واسع؟ ولماذا اختارت هذه المؤسسات الصحفية مقاطعة الدعم العمومي؟
و يدّعي القرار أن الهدف هو ترشيد النفقات وتعزيز المهنية في القطاع الإعلامي، لكن صياغته تُظهر تجاهلًا عميقًا لواقع المقاولات الصحفية الصغيرة، التي تعاني أصلًا من صعوبات هيكلية، أبرزها شح الموارد المالية، وغياب سوق إعلاني منصف.
وقد فرض القرار معايير جديدة تجعل من المستحيل على غالبية الصحف الصغيرة الحصول على الدعم، من أبرزها شروط مالية مثل رفع العتبة الدنيا للمداخيل والموارد الذاتية، وهي أمور لا تتحقق إلا لدى المؤسسات الكبرى ومتطلبات إدارية وتقنية تفوق الإمكانيات المتاحة لمعظم الصحف الصغيرة.
و لم يأتِ القرار نتيجة حوار موسع أو استشارة شاملة مع الفاعلين في القطاع، بل بدا كأنه مفروض من الأعلى. هذا التجاهل يعكس عقلية أحادية في التعامل مع ملف مركزي مثل الإعلام، الذي يُفترض أن يكون جزءًا من النقاش الوطني.
كما أن القرار يوجّه الدعم نحو المؤسسات الكبرى، التي لا تحتاج بالضرورة لهذا الدعم لتستمر في العمل، في المقابل، تُترك الصحف الصغيرة، التي تعتمد على هذا التمويل لتغطية التكاليف الأساسية، لمواجهة مصيرها وحدها.
ويعد قرار المقاطعة ليس مجرد موقف احتجاجي عابر، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى تسليط الضوء على الإقصاء الممنهج في صياغة السياسات الإعلامية.كما أن المقاولات الصحفية الصغيرة ليست مجرد مشروع تجاري، بل هي صوت المجتمعات المحلية التي لا تصل قضاياها إلى المنابر الإعلامية الكبرى. إقصاؤها من الدعم يعني إسكات هذه الأصوات وتعزيز مركزية الإعلام.
إن الدعم العمومي في صيغته الجديدة لا يحمل ضمانات كافية للحفاظ على استقلالية الصحافة. الشروط المطروحة قد تُحوّل المؤسسات الإعلامية إلى أدوات لترويج أجندات الجهات المانحة، بدلًا من كونها منابر حرة ومستقلة.
وفي جوهر المقاطعة دعوة للحكومة إلى إعادة صياغة الدعم بطريقة تعكس الواقع الحقيقي للقطاع. لا يمكن بناء إصلاح إعلامي بمعزل عن المؤسسات الصحفية المستهدفة بهذا الإصلاح.
كما أنه من الواضح أن قرار الدعم لم يُصغ بالاستناد إلى رؤية شاملة لمستقبل الإعلام الوطني، بل تحت ضغوط مالية أو سياسية تهدف إلى هندسة المشهد الإعلامي بطريقة تُقصي الفاعلين الصغار والمستقلين.
و فوزي لقجع، بصفته وزير المالية، يبدو أنه قد وضع اعتبارات لا يعرفها الا هو ومن يدور في فلكه فوق كل شيء. لكن هل ترشيد النفقات يمكن أن يبرر تدمير قطاع إعلامي بأكمله؟ ألا تستحق الصحافة الصغيرة نظرة خاصة باعتبارها جزءًا من الأمن الديمقراطي للبلاد؟
من جهة أخرى، فإن توقيع محمد المهدي بنسعيد على القرار يُثير تساؤلات حول دوره كحامٍ للمشهد الإعلامي. بدل أن يدافع عن تنوع الصحافة، اختار الانصياع لضغوط(…..) تُفرغ دوره من محتواه. و إذا استمر العمل بالقرار المشترك، فإن المشهد الإعلامي المغربي مهدد بخسارة جزء كبير من تنوعه وديناميكيته.
فاحتكار المؤسسات الكبرى للدعم يعني سيطرة الرواية الموحدة، مما يُضعف التعددية الإعلامية، كما أن غياب المؤسسات الصحفية الصغيرة سيترك فراغًا في تغطية القضايا المحلية والنقاشات المجتمعية، مع العلم أن الشفافية والإنصاف شرطان أساسيان لتعزيز الثقة في الدعم العمومي. و غياب هذه القيم يُضعف علاقة الصحافة بالحكومة والمجتمع، وأن معظم المؤسسات الصحفية الصغيرة تُعاني من هشاشة مالية و حرمانها من الدعم يعني دفعها نحو الإفلاس أو الارتهان لتمويلات مشبوهة قد تُهدد استقلاليتها.
إن إصلاح الدعم الشامل يتطلب وضع معايير مرنة تأخذ بعين الاعتبار واقع المقاولات الصحفية الصغيرة وتدعم استمراريتها، كما يجب تقديم حوافز خاصة للصحافة المحلية والمستقلة التي تغطي قضايا المجتمعات المهمشة.
إن إنشاء آليات واضحة ومعلنة لتوزيع الدعم، تضمن الإنصاف وتعزز الثقة بين الحكومة والقطاع الإعلامي، كما أن قرار الدعم العمومي بصيغته الحالية يضع مستقبل الصحافة الصغيرة على المحك. إذا استمرت هذه السياسات الإقصائية، فإن المشهد الإعلامي المغربي سيصبح مهددًا بفقدان تنوعه واستقلاليته، وعلى الحكومة أن تُدرك أن الصحافة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي رافعة للديمقراطية وصوت للمجتمع. أما إذا استمر نهج “المقصلة”، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع في الحريات الإعلامية، ومزيد من الاحتقان داخل القطاع الصحفي.