الرباط تواصل فرض سياستها الخارجية الواقعية،  وترفض المشاركة في اجتماع “البريكس” بجنوب إفريقيا.

الرباط تواصل فرض سياستها الخارجية الواقعية،  وترفض المشاركة في اجتماع “البريكس” بجنوب إفريقيا.

- ‎فيرأي
387
التعليقات على الرباط تواصل فرض سياستها الخارجية الواقعية،  وترفض المشاركة في اجتماع “البريكس” بجنوب إفريقيا. مغلقة

د/كريم القرقوري *

 

يواصل المغرب تجسيد كل معاني الوضوح والواقعية في  سياسته الخارجية الحازمة والحاسمة، بوضع مقياس دقيق لصدق الصداقات ونجاعة الشراكات الخارجية، باعتبار  قضية الصحراء المغربية النظارة  الذي ينظر بها المغرب الى العالم، و البناء المعياري الذي يضع كل طرف في موقعه الحقيقي.

والمتتبع لسياسة  المغرب الخارجية خلال السنوات الاخيرة، يسجل أنها باتت تقوم   على رفض أي  تعاون من أي دولة تعادي وحدته الترابية، مهما كان حجمها أو وزنها السياسي والاقتصادي في الساحة الدولية،  آخرها رفضه لدعوة صدرت عن جنوب إفريقيا، بصفتها الوطنية،  للمشاركة في اجتماع مجموعة بريكس/إفريقيا،  وليس بمبادرة من أعضاء مجموعة  “بريكس” أو الاتحاد الافريقي.

وبحسب وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الافريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، فإن دعوة المغرب لحضور اجتماع هذا التكتل الاقتصادي، اتسمت بالكثير من الخروقات البروتوكولية المتعمدة والاستفزازية، كغيره من عديد  الدول والكيانات التي  دعيت بشكل تعسفي من قبل البلد المضيف، دون أي أساس حقيقي، أو استشارة مسبقة مع البلدان الأعضاء الأخرى في مجموعة “بريكس”، ذلك أن  هذا الاجتماع لم يكن واردا أبدا، على عكس ما تدعيه بريتوريا.

ويأتي رفض المغرب لحضور اجتماع مجموعة “بريكس”، بسبب المواقف والسلوكات العدوانية المطلقة لدولة جنوب إفريقيا تجاه المملكة، ومواقفها السلبية والدوغمائية الممنهجة، على الصعيد الداخلي وفي إطار الاتحاد الافريقي، المعادية للمصالح العليا للمغرب وفي مقدمتها  قضية الصحراء المغربية.

ويبدو واضحا أن هدف جنوب إفريقيا بزعمها تقديم الرباط لطلب اللانضمام إلى تكتل “البريكس” في غياب تأكيد رسمي من المملكة، هو ترويج لتصور مكشوف، مفاده بأن دولا وازنة في القارة مثل المغرب، تطلب الانضمام لهذا التكتل.

وواقع الحال  أن  دولة جنوب إفريقيا أقدمت على هذه الخطوة بغرض   تحقيق أهداف سياسية تخدم مصالحها وقضاياها الداخلية، ويتضح هذا المسعى من خلال الدعوات الموجهة والكيانات التي تسعى لفرض مشاركتها في هذا الاجتماع، ذلك أن لبريتوريا   مشاكل داخلية اليوم، ناتجة عن انهيار الحزب الوطني الحاكم بسبب محاكمات وفساد داخل تنظيماته، ومع اقتراب انعقاد مؤتمره، باتت المعارضة تجتمع من أجل وضع حد لهيمنته منذ أزيد من ثلاثين سنة.

وكما  اعتادت جنوب إفريقيا على توظيف  الصراع المغربي الجزائري وقضية الصحراء، وعددا من القضايا لاكتساب أصوات داخل الرأي العام بالبلاد.

والمتتبع للأحداث فإنه يستحضر ما صدر عن بريتوريا عبر التاريخ من عداء للمغرب، وهي الدولة المعروفة بعدائها للوحدة الترابية للمغرب، ويكفي هنا أن نذكر مناورات نكوسازانا دلاميني زوما، حينما كانت رئيسة للمفوضية الإفريقية، حيث كانت تضع عراقيل لعودة المغرب للاتحاد الإفريقي، ليظهر في ما بعد أنها كانت توظف الاتحاد والمفوضية الإفريقية للترشح لرئاسة دولة جنوب إفريقيا.

وكما يسجل التاريخ أن جنوب إفريقيا لم تنجح على الدوام في لم شمل الدول أو في تحقيق  دبلوماسية مثالية،  تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة وتطوير المجتمعات التي ترغب في الانتماء إلى هذا التجمع الاقتصادي الهام.

وتأتي هذه الواقعة لتؤكد من جديد ، عبثية تحركات هذه الدولة الإفريقية  التي لا تتوقف وإصرارها الأعمى الذي سيقود في نهاية المطاف إلى الإضرار بفضاء مثل ذلك الذي يمثله ” البريكس” ، وهي تستعد للدخول في لعبة ستضر لا محالة بعلاقاتها مع العديد من البلدان.

و يتغيا المغرب من موقفه هذا، وضع حد لسلسلة من التكهنات حول ترشيح مفترض للمملكة للانضمام لتكتل “البريكس” وكذا حول مشاركة محتملة في اجتماع ” البريكس/ إفريقيا” المنعقد في 24 غشت 2023.

وبدأت فكرة تأسيس التكتل الاقتصادي العالمي “بريكس”، والذي يضم  كلا من البرازيل وروسيا والهند والصين بالإضافة إلى جنوب إفريقيا،  في شتنبر 2006، حينما عقد أول اجتماع وزاري لوزراء خارجية البرازيل وروسيا والهند والصين على هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وتعي المملكة المغربية الاهمية السياسية والاقتصادية لمجموعة “بريكس” ، خاصة وأن هذا التكتل يتكون من خمسة  دول،  تعد صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، كما ان مساحة هذه الدول تشكل ربع مساحة اليابسة، فيما يقارب عدد سكانها  40 % من سكان الأرض، حيث تضم أكبر خمس  دول مساحة في العالم وأكثرها كثافة سكانية، وهي بذلك تهدف إلى أن تصبح قوة اقتصادية عالمية قادرة على منافسة “مجموعة السبع”  التي تستحوذ على 60% من الثروة العالمية، كما أن  مساهمة هذا التكثل الاقتصادي في الاقتصاد العالمي يصل  إلى 31.5%، بينما توقفت مساهمة مجموعة السبع عند 30.7%.

وبحسب مراقبين فمن المتوقع بحلول عام 2050 أن تنافس اقتصادات هذه الدول، اقتصاد أغنى الدول في العالم، كما من المتوقع أن تشكل  حلفا أو ناديا سياسيا قويا، وتكتلا اقتصاديا يسعى لكسر هيمنة الغرب على الاقتصاد العالمي، مما جعلها محط اهتمام عديد الدول، التي ما فتئت ترغب في الانضمام إلى هذا  التكتل.

ويبقى القرار المغربي الحازم والحاسم، القاضي برفض  المشاركة في اجتماع “البريكس/ إفريقيا”  بجوهانيسبورغ، تكريسا للخطى الثابتة و المدروسة، التي  قررت الرباط السير على هديها،  لتحقيق مزيد من المكاسب، التي تدعم عدالة قضيتها الأولى، قرر المغرب ألا يحيد عنها في علاقاته الدولية، حصد بفضلها دعما دوليا واسع النطاق، ومواقف دولية ثابتة حيال وحدته  الترابية و خاصة مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء، وفي مقدمتها الاعتراف الامريكي بمغربية الصحراء و دعم مبادرة الحكم الذاتي، وهو القرار الذي  تأكد بالملموس، عدم تأثره بتعاقب الرؤساء وتبادل الحزبين الجمهوري و الديمقراطي للمواقع، أكدت خلاله  واشنطن، أن لديها  قناعات جوهرية مبنية على معطيات تاريخية و أمنية و اقتصادية.

وينضاف الموقف الأمريكي  الواضح والقوي، إلى مواقف إيجابية  لكل من بلجيكا إسبانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وقبرص ولوكسمبورغ والمجر ورومانيا والبرتغال وصربيا، وهي البلدان التي  لها تأثيرها الدولي و الإقليمي.

و  تواصل مسلسل المكتسبات، بفتح ثلاثين دولة لقنصليات عامة بالصحراء المغربية، وهو ما  يمثل صيغة جديدة من صيغ الدعم العملي الذي يسلط الضوء على الأمن و الاستقرار و التنمية بمدينتي العيون و الداخلة.

كما تواصل دول مجلس التعاون الخليجي و الأردن ومصر و اليمن، مواقفها  الثابتة و المتأصلة والواضحة بخصوص قضية الصحراء،   فضلا عن اتساع دينامية دعم الموقع السيادي المغربي من قبل حوالي 40٪ من الدول الافريقية و دول تنتمي لأمريكا اللاتينية و تجمع دول الكاريبي.

وكما يبقى موقف المغرب الرافض لحضور هذا الاجتماع،  استمرارا للموقف السيادي الذي أصبح الضمانة الرئيسية لعلاقة جيدة مع المغرب، والفرز الموضوعي لشركائه الدوليين، ورسالة دالة للأطراف المتأرجحة و المترددة في مواقفها، وبالمقابل  يؤكد المغرب على الدوام، أنه سيظل جاهزا لشراكة عميقة وواعدة، مع كل الدول التي تقرر مراجعة مواقفها من قضية الصحراء المغربية، كما وقع مع دول البينيلوكس وألمانيا وإسبانيا وغيرها.

* باحث في العلوم السياسية والإعلام.

Facebook Comments

يمكنك ايضا ان تقرأ

قلعة السراغنة تحتضن فعاليات الدورة الثانية للمهرجان الوطني للفنون التراثية

كلامكم تنظم المديرية الجهوية للثقافة مراكش أسفي بشراكة