لحسن حداد: البادية المغربية بين الرأسمال الرمزي الحضري وتحديات التنمية القروية.

حرر بتاريخ من طرف

بقلم: لحسن حداد

كان العالِم السوسيولوجي المغربي، بول باسكون يقول بأن البادية المغربية لا تعكس نمطاً فيودالياً «آسيوياً» للإنتاج (بالمعنى الماركسي للكلمة)، والذي روَّج له المهدي بنبركة وأحمد لحليمي وإدريس بنعلي وعزيز بلال وغيرهم، بل كان يؤكد على أن البادية المغربية هي بنية مركبة تعتمد على مرجعيات مختلفة، وقد تكون مصدر دعم للمخزن المركزي، كما أنها قد تكون موطن حركات مناهضة له. هذه البنية المعقدة والتي أكدتها الأنثروبولوجيا الأنجلوساكسونية التي درست المغرب لا يمكن فهمها، حسب باسكون، إلا عن طريق قراءة سوسيولوجية لتفاعل السلطة «القايدية» والإيكولوجيا وجغرافية الاقتصاد في علاقتها مع السكان وسلوكاتهم الإنتاجية والثقافية. هذه القراءة المعقدة هو الذي جعل باسكون يقول بأن المجتمع المغربي «ليس هذا أو ذاك من الأنماط، ولكن عدة أنماط من الإنتاج تساهم في تشكيلته الاجتماعية: البطريركية، والقبلية والفيودالية والرأسمالية» (بول باسكون، «حوز مراكش» 1983). حين يتكلم باسكون عن المجتمع المغربي فهو يأخذ البادية نموذجاً ويُسقِطُها على المجتمع المغربي برمته.
….

الدور المعقد للبادية المغربية عرف فترة فتور ما بعد الاستقلال مع حركة التمدن والهجرة وصعود نخبة حضرية شبه بورجوازية نهلت من الخطاب القومي والوطني التحرري والتقدمي، وكونت رأسمالاً رمزياً صارت له قيمة معيارية جعلت البوادي لفترة تعيش في موقف دفاعي رغم تحالف الأعيان والسلط التقليدية والمخزن ضد زحف ما يمكن تسميته الآيديولوحيا الحضرية/البورجوازية/الوطنية؛ وجعلها تعيش تبعية سياسية واقتصادية للمدينة اقتربت من الإجهاز على المكونات الثقافية لصيرورتها كفضاء للانتماء والعيش.
….

المدخل الأساس لأي تنمية حقيقية هو إحياء ثقافي حقيقي لمكونات الكينونة البدوية بالمغرب. ولكن هذا الإحياء يجب ألا يكون فولكلورياً، كما وقع ابتداءً من ستينات القرن الماضي، بل يجب أن يكون عميقاً مرتكزاً على بحث سوسيولوجي وثقافي عميق يعيد إحياء علاقة الإنسان البدوي بالطبيعة والإيكولوجيا والذاكرة والتاريخ، وإعادة إحياء قدراته على الإبداع، سواء على مستوى الصناعة التقليدية أو الغناء أو الرقص أو النظم والشعر، وكذا على مستوى العمران واللباس والطبخ وأوجه الحياة اليومية.

*برلماني ووزير سابق.

إقرأ أيضاً

التعليقات