برنامج “في المكتبة” على ميدي آن يُدخل المستمعين إلى مكتبات الصحراء المغربية

حرر بتاريخ من طرف

اعتماد سلام/ خاص/ كلامكم

 

تركت طنجة ولسعات البرد التي بدأت تتسلل إلى أمسياتها واستعدت أيام الصيف المتواصل في العيون وأجواءه الدافئة حتى مع بداية نونبر.. هذا الشهر الذي له مكانة خاصة لدى المغاربة عموما وأهل الصحراء بشكل خاص.

 

من عل كان منظر كثبان الرمال الذهبية آسرا، زادها توهجا وألقا انعكاس أشعة شمس الأصيل عليها. دهشت لعدد المسافرين الكبير على متن الطائرة التي كانت ممتلئة عن آخرها رغم ضخامتها، حتى أن زميلا صحفيا كان على متن نفس الرحلة ولم نعرف بذلك إلا لاحقا عندما قرأ تدوينة لي عبر تويتر. لكن دهشتي الأكبر كان مبعثها المدة الزمنية التي فصلت بين هبوط الطائرة وخروجي من المطار، هل استدعى الأمر خمس دقائق؟ ربما أقل أو لنقل خمس دقائق إذن حتى لا يظن أحد أني أبالغ. عند الوصول كما المغادرة كان كل شيء سريعا وميسرا وأمن المطار حريصا على تسهيل المعاملات وجعلها أكثر سلاسة بالضبط كما يحدث في مطارات دولية طالما أعجبت بنظامها السريع وتأكد لي أن مطار الحسن الأول يضاهيها دقة وسرعة.
 

الانتقال من المطار إلى وسط المدينة حيث يوجد الفندق لم يستغرق سوى دقائق معدودات، لاحظت أنه بسبب التوسع العمراني بات المطار أكثر قربا منذ آخر مرة كنت هنا. لكن مهلا.. هناك أشياء كثيرة تغيرت منذ آخر زيارة لي للمدينة قبل بضع سنوات. في ذلك المشوار القصير على سبيل المثال رأيت بنايات حديثة وعصرية تنتصب شمالا ويمينا وطرقا واسعة ومدارات مصممة بطريقة جميلة ونوافير ومساحات خضراء وملاعب للقرب.. لاحقا خلال أيام الزيارة توقفت في ساحة المشور التي تشكل محجا ومتنفسا لسكان المدينة وزوارها وهي الأخرى كان لها نصيبها من التهيئة حيث خضعت للترميم بأبراجها الأربعة الشهيرة وأعيدت هيكلتها إضافة إلى المساحة الخضراء المحيطة بها والتي جهزت بنظام سقي متطور، ساحة الدشيرة وشارع مكة ومحج محمد السادس كلها أماكن بدت متغيرة كما هو حال المدينة ككل، بنية تحتية حديثة وعصرية، شوارع مهيأة ومرافق خدماتية وترفيهية تكشف حجم التطور والنهضة التنموية التي تشهدها المدينة على غرار باقي ربوع الأقاليم الجنوبية للمغرب.

 

 

 

لم أعلن عن زيارتي لكثير من الأصدقاء في المدينة لقصر مدة الزيارة وحتى لا ينزعج أحد مني أيضا إن تعذر اللقاء خصوصا وأن لدي مواعيد عمل شددت من أجلها الرحال من طنجة إلى العيون. لكن لا حاجة لذلك.. تدوينة صغيرة هناك في تويتر جعلت كثيرا من الأشخاص الذين لا أعرفهم ولا سابق معرفة أو تواصل لي بهم يبعثون لي رسائل ترحيب، بعضهم يستفسر حول مكان إقامتي ليقوم بواجب الضيافة وبعضهم يسأل أين يرسل لي هدية منه.. محفوظ من أصدقاء الفيسبوك ومستمع من المستمعين الكرام حرص على أن يرحب بي في مدينته رغم أنه كان في مهمة عمل خارج العيون وبعث رسولا إلى الفندق يسأل عني. ابن العيون أيضا الزميل النبيل محجوب أنصاري كان ساهرا على تسهيل كل صعب وجاهزا للمساعدة في كل حين.

 

عبره علم الأستاذ والمربي الجليل عبد الحميد اضليعة بوجودي فكان كريما في استقباله ورعايته. للزملاء في مدينة العيون مكانة كبيرة عندي وجلهم تعرفت عليهم خلال مؤتمرات ولقاءات المجلس الوطني للنقابة الوطنية للصحافة المغربية ومنهم الأستاذ القيدوم عبد الله جداد الذي ورغم انشغاله كالعادة لم ينس أن يسأل ويعرض المساعدة “أي شيء حنا موجودين”. كان ذلك أيضا لسان حال زميلي في قناة ميدي آن النعمة ماء العينين الذي حرص على متابعة سير الزيارة من طنجة ناصحا ومزودا بكل معلومة أو جهة اتصال.

 

 

هذا الكرم والعناية أحاطني بهما ضيوفي أيضا، من بينهم الأستاذة عزيزة الحويمد وهي من سيدات العيون المقاولات وتقود بنجاح تعاونية نسائية رائدة في مجال هندسة الحدائق وزراعة النباتات استطاعت رغم المناخ الصحراوي وارتفاع نسبة الملوحة في المياه أن تستنبت أنواعا مختلفة من النباتات والمزروعات. لم تكتف بتفضلها بوقتها وشروحاتها وألحت على دعوتي إلى وجبة عشاء قبل أن تقبل بصعوبة اعتذاري. ثم أعادت الاتصال بي بعد ذهابها لتطمئن عن أحوالي وتسألني.. ياك ما خَصك شَي.. وهو سؤال سأسمعه كثيرا خلال هذه الزيارة.

 

 

تشهد العيون حياة ثقافية نشيطة تعززها البنية الثقافية الحديثة التي أضحت تتوفر عليها ومنها المكتبة البلدية التي سيتم افتتاحها قريبا، وهي ثالث أكبر مكتبة على صعيد القارة الإفريقية، تمتد على مساحة ستة وعشرين ألف متر مربع وتضم العديد من المرافق من بينها قاعة عروض ومركز لإصلاح الكتب وآخر لتخزينها. من مظاهر هذه الحركة الثقافية أيضا بروز عدد من الكتاب والمبدعين في الشعر والرواية والقصة والذين ينقلون عوالم المدينة عبر كتاباتهم ويعملون على صيانة التراث الحساني ومنهم الروائي والكاتب محمد النعمة بيروك الذي توج بعدة جوائز مغربية وعربية وسيكون ضيف “في المكتبة” في حلقة مقبلة.

 

 

مجموعة من المشاريع الثقافية والعلمية والإعلامية تم إطلاقها في المدينة وأسهمت في هذه الحركة الثقافية عددَها الكاتب والباحث الأستاذ بشير الدخيل خلال حواري معه، مشيدا بوجود قناة تلفزية جهوية في المدينة و بإحداث صندوق دعم الإنتاج حول التاريخ والمجال الحساني الصحراوي والذي كان واحدا من مؤسسيه، وبالإضافة إلى العدد الكبير من اللقاءات الدولية والندوات والمهرجانات التي تحتضنها، هناك بنية جامعية مهمة باتت تتوفر عليها العيون آخرها افتتاح كلية الطب برسم الموسم الدراسي الحالي، وفضلا عن طلبة الأقاليم الجنوبية فهي تستقبل عددا من الطلبة من دول إفريقية أيضا.

 

 

في خضم هذا المسار المتسارع للتنمية في الجنوب فإنه ليس غريبا أن تكون نسبة الأمية منذ استرجاع المغرب لهذه الأقاليم قبل ستة وأربعين عاما تعادل الصفر يقول بشير الدخيل الذي كان واحدا من مؤسسي جبهة البوليساريو، وهو من أطلق هذا الإسم عليها قبل أن تتحول من إطار شعبي لمقاومة المستعمر الإسباني إلى جبهة انفصالية، في الحوار الذي أجريته معه استعدنا لحظات سجنه بعد اعتراضه على المطامع الانفصالية التي أبان عنها رفاقه الذين غدروا به وبالوطن في سجن قرب مالي يقع على الحدود بين الجزائر وموريتانيا، وتحدث عن لقاء في الجزائر حضره الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين قال فيه “إننا سنضع حصاة في حذاء المغرب” وتلك الحصاة كانت البوليساريو. من بين ما قاله أيضا أن قادة البوليساريو وداعميهم بدأوا يتحدثون عن اللاجئين عام 1973 والحال أن المسيرة الخضراء التي تحررت بموجبها الأقاليم الجنوبية لم تكن إلا في العام 1975 وهو ما يكشف أن الأمر يتعلق بخطة محكمة.. الحوار معه كاملا تتابعونه هذا الأحد في برنامج ” في المكتبة” عبر الإذاعة والبودكاست.

 

في حلقة قادمة تتابعون حوارا مع الدكتور عبد الوهاب سيبويه القيم على مكتبة آل سيبويه في بوجدور والعيون. خزانة توارثها أفراد الأسرة أبا عن جد، كان أجداده أهل علم وجمعوا المخطوطات والوثائق التاريخية أثناء عملهم في القضاء والنساخة وسفرياتهم من بلد لآخر طلبا للعلم. بعض أفرادها درس في الشام وبعضهم في شبه الجزيرة العربية وهو سار على نهجهم فطلب العلم في العراق وإيران وتركيا ومصر ودرس طريقة معالجة المخطوط وعلم التحقيق. جاء بنفسه ليصطحبني.. عندما وصلنا وجدنا بالإضافة إلى المخطوطات والوثائق والكتب جلسة شاي صحراوي لاذع ولذيذ سهر ابنه بمهارة فائقة على إعداده بينما كان والده يطلعني على وثائق بيعة القبائل الصحراوية لملوك المغرب منذ قرون. عندما أنهينا التسجيل صب لنا الإبن الشاي قبل أن يأمره والده أمرا قاطعا بأن يحضر مشاريب باردة.. عصائر وحليبا، وأقسم بأن نشرب منها قبل أن يجدد دعوته للبقاء من أجل العشاء.. اعتذرت منه شاكرة كرمه الصحراوي الذي شملني به لاحقا أيضا وهو يعاود الاتصال بي ليطمئن ما إذا كان التسجيل جيدا ويؤكد أنه على استعداد لأي تدارك أو استدراك أو إعادة تسجيل إن تطلب الأمر.

 

 

مكتبة آل سيبويه في بوجدور والعيون واحدة من أثرى المكتبات في الجنوب المغربي، بل إنها من أغنى المكتبات في شمال وغرب إفريقيا كما يقول محافظها، مخطوطات ووثائق ومطبوعات وإصدارات تعود لحقب زمنية مختلفة أقدمها تعود للقرن الخامس الهجري وبعضها منذ عهد المرابطين كما هو الأمر بالنسبة لمخطوطة الحاجبية، ما ضبطه منها حتى الآن يناهز عدده اثنين وعشرين ألفا معظمها حول تاريخ المغرب وصحرائه.. عندما علم أني من الرحامنة التي تربط قبائلها بقبائل الصحراء أواصر تاريخية متجذرة، أخبرني أن لديه وثائق حول كثير من قبائل ومناطق الرحامنة ومنها إيكوت والزيود والبرابيش وبوشان فضلا عن وثيقة تؤرخ لمعركة سيدي بوعثمان وشهدائها.. وهي وثائق يضعها بكل كرم رهن إشارة الباحثين وطلبة العلم.
 

 

من مظاهر النهضة التنموية في الأقاليم الجنوبية، الفرص الاقتصادية التي أصبحت توفرها في مجالات عديدة مثل الصيد والسياحة والطاقات المتجددة، حيث تحولت إلى وجهة لكثير من المستثمرين في ظل جهود التشجيع على الاستثمار وإحداث مقاولات، وهي جهود يسهم فيها المركز الجهوي للاستثمار الذي أكد مديره العام محمد جعيفر في حوار معه أنه منذ العام ألفين وخمسة عشر تم إحداث أكثر من أربعة آلاف مقاولة، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل المواكبة الحثيثة وتنزيل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. وبرسم هذا النموذج سترى أقاليم الجنوب مشروعات تنموية كبرى من بينها الطريق السريع تزنيت الداخلة على طول ألف و55 كيلومتر.

 

 

لزيارة عمل من ثلاثة أيام أو أربع لن تحتاج لأشياء كثيرة. حقيبة صغيرة تكفي لأغراضك الضرورية وهذا ما احتجته وأنا في الطريق إلى العيون. لكني لم أضع في الحسبان حجم المحبة كما قال صديق من أهلها الكرام وهو يستنتج أني بحاجة لحقيبة أكبر تستوعب هدايا أهل العيون وفي مقدمتها الشاي الذي أرفقوه بنصائح دقيقة لإعداده بطريقة صحيحة وإن كنت متأكدة أني لن أعده بمهارتهم حتى وإن حاولت.. عدت إلى طنجة حيث وجدت أولى الأمطار الموسمية بدأت تتهاطل وأنا ممتلئة بالمحبة والعرفان والامتنان لأهلنا في الجنوب المغربي الكرام، لجميل ترحابهم وحفاوتهم وحرصهم على تيسير وتهيئة كل الظروف من أجل إنجاز مهمتي الصحافية بكل مهنية وجعلي أشعر بأنه لا فرق. سواء في طنجة أو العيون أو الرحامنة.. أنا في بلادي.

إقرأ أيضاً

التعليقات

  1. مقال طويل ممتاز ومفيد جدا كأنني زرت العيون.أهنئ الآنسة إعتماد سلام على قدرتها إمتلاك إنتباهنا وكأننا نقرأ حكاية أو قصة مثيرة.ننتظر بشغف حواراتك مع كل الأسماء المحترمة في العيون….

Leave a Reply