الماء والاقتصاد في تاريخ سوس: الدولة السعدية وصناعة السكر خلال القرن 16م/ 10هـ الحسن إدوعزيز*

حرر بتاريخ من طرف

 

الجزء الثامن:
ومن خلال الأوصاف والمعطيات الميدانية التي توصل إليها الباحث الأركيولوجي”بول بيرتيي” (P.Berthier) من الموقع. فإن المياه بعد دخولها المعمل السكري “أولاد مسعود”، كانت تكون شلالا يتساقط على ارتفاع 9 أمتار، ليحرك عجلة طحن كبيرة بمراوح يصل قطرها إلى خمسة (5) أمتار. والتي كانت أجزاؤها تدور داخل حلقة بعمق يصل الى مترين ونصف (2.5)، وعرض من 1,80 مترا، وبطول قدره 8 أمتار. بينما يبدو أن المياه المستعملة كانت تُصرف عبر قناة للتصريف يصل عرضها إلى 1.10 متر وطولها الى 14 مترا خارج المعمل.
لقد كانت أطراف المحور المركزي لعجلة الطحن موضوعة على حاملين متينين، لا يزال أحدهما باديا على الجهتين الشرقية والغربية (من إحدى واجهات المعمل)؛ وهو محور بطول 2 إلى 2.50 أمتار تقريبا، كان يقطع حائط المبنى الذي يمثل الطاحونة. وكان يتم تدويره بواسطة عجلة مرتبطة بأسطوانة كبيرة، تحرك هي الأخرى أسطوانتين جانبيتين؛ بينما كانت هذه المكونات كلها مركبة ومطوقة داخل بناية من الخشب على شكل هيكل مستطيل الشكل أبعاده 3.50 أمتار على مترين، وزواياه مجهزة بتجاويف قطرها 0.40 مترا و1,30 مترا من العمق، بشكل يتناسب مع مواضع دعائم الهيكل. حيث كانت الاسطوانات تتحرك في اتجاه متعاكس، مما يسمح بطحن القصب ( قصب السكر) وعصره عصرا تاما.
– صهريج المركب السكري “أولاد مسعود” : منشأة مائية أثرية.
كان الحوض المجاور للمركب السكري؛ والذي يغطي مساحة تقارب الهكتارين، وبسعة تناهز 36000 متر مكعب، حسب P.Berthier، يسمح بتخزين جزء كبير من مياه فيض “واد سداس”. حيث يمكننا تفسير وجود هذا الحوض بهذا الموقع بهاجس تخزين المياه والمحافظة عليها، من أجل استعمالها لسقي الحقول في أوقات الندرة والشح.
توجد هذه المنشأة المائية على بعد خمسمائة متر فقط من مكان تواجد طاحونة عصر القصب. حيث يبدو أن بقايا الجدران الصلبة للواجهات الأربعة للحوض المبنية بتقنية “تلواحت”، وباستعمال الطين المستخرج غالبا من حفرة الصهريج، والمخلوط بالحصى والجير لا تزال واضحة المعالم. فهي ترسم مربعا بضلع يصل إلى ستين مترا تقريبا. وحيث توضح البيانات الطبوغرافية المأخوذة، من الموقع من طرف الأثريين، بأن ارتفاع البقايا المتناثرة من جدران الحوض يصل حوالي ثلاثة أمتار، وبعرض محدب يصل مترا تقريبا عند مستوى القاعدة.
كان هذا الصهريج يزود بالماء بواسطة ساقيتين تلتقيان في مركز جهته الجنوبية الشرقية. إحداهما تدعى “العزوزية”، ويتم تقوية مياهها بمياه قناة التصريف التي تحرك الرحى قبل أن تمر إلى الصهريج. والثانية منفصلة عن الساقية التاريخية: ساقية “واد سداس” غرب الصهريج. حيث يتم حجز الماء بجدران تشبه تلك التي لا تزال تحد الآن الجهة الشرقية من الصهريج، على بعد يفوق خمسة وخمسين مترا تقريبا.
ويبدو، كما أشرنا، أن هذه البناية كانت مشيدة بدورها من الطين بتقنية “تلواحت”. وبالرغم أننا نجهل ارتفاع جدرانها الحقيقي، فإن بقايا عرضها الحالي يفوق المتر تقريبا.
تتميز مساحة هذه المنشأة بعدم تناغم أبعادها. فإذا كانت الجهة الوسطى من الصهريج قد مستوية، فإن شريطا محفورا بعمق حوالي متر وعرض ببضعة أمتار يُحيط بالجوانب الداخلية من الصهريج. مما يعطي الانطباع بعدم اكتمال الأشغال به، أو باستعماله قبل اكتمال بنيانه. ولعل موضع هذا الصهريج سافلة المعمل السكري، يؤكد بأنه لم يكن بغرض توفير الماء لهذا المعمل، ولكن ربما لسقي حقول قصب السكر. ولعله نفس الوضع كان عليه الأمر بمنطقة “سبت الكردان”، على بعد خمسة عشر كيلومترا غرب “تارودانت”، حيث لا تزال توجد بقايا صهريج كبير للماء على بعد 300 متر سافلة معمل آخر للسكر (معمل تزمورت) والذي استمر استغلاله للسقي إلى اليوم؛ بأبعاد تصل تسعين مترا للضلع الواحد، وبعمق ثلاثة أمتار، وسعة تصل إلى 24000 مترا مكعبا من المياه…
…يُتبع
*طالب باحث في التاريخ

إقرأ أيضاً

التعليقات

Leave a Reply