صوت فيروز في عيده الثمانين

حرر بتاريخ من طرف

محمد النواية
تجاوزت فيروز “سفيرة لبنان الى النجوم” وصاحبة الصوت القمري المصنوع من
مزيج الضوء والفضة الثمانين من عمرها وهي لا تزال بتلك الصورة الحلم التي
رافقتها طوال مسيرتها الفنية ورسخت مكانتها الخاصة في قلوب الناس وهي مكانة
لا تزال محفوظة حتى اليوم رغم تغير الاجيال وتبدل الاجيال الفنية وقد ضلت هذه
السيدة وفية لاسمها ولمسيرتها المتألقة من خلال التعاون مع العديد من الملحنين
الاخوان الرحباني فيلمون وهبي زكريا ناصف رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب
وزياد الرحباني الذي كانت واثقة من ان الحانه ونفسه الجديد لا بد ان يوصلا فنها
الى الاجيال الصاعدة . ان الصورة التي صنعها الاخوان الرحباني للبنان في صوتها
وعبره هي صنعة حنين يمازحه العزاء الى لبنان الحضارة الريفية بعد اندثارها
وزوالها واقامة الثقافة اللبنانية الحديثة على الحنين اليها فليس هناك من يحيي الذاكرة
ويبعث الاشواق ويثير الشجن في النفس مثل صوت فيروز .
والعالم الشعري الرحباني الذي غنته فيروز هو عالم تنبض فيه صور رعاة المعز
وقالعو الاحجار من سفوح الجبال والنواطير والكروم ومعاصير العنب ومواسم
القطاف واضواء القناديل ومشاحنات المزارعين والاهالي على اقتسام المياه لري
البساتين والطواحين ودروب العين وساحات القرى في الصباحات الباكرة والصيف
بمواعيده والحطابين والجسور القديمة على الانهار والخيام في اعالي الجبال والسهر
في تشرين والنار الغافية في احضان الموقد وطيور المساء الاتية من سفر طويل
والبيوت الصغيرة المهجورة التي غطى العشب ادراجها وجدرانها .
ان كل هذه الصور للحياة الجبلية جسدتها المخيلة الشعرية للأخوين الرحباني وصوت
فيروز . رغم العمر الطويل لا زال صوت فيروز العتيق والعذب عذوبة مياه الينابيع
الصافية الصوت الحنون البريء الذي يبعث بعض الامل والرضا والعزاء مع تناول قهوة
الصباح انه الصوت الطري حتى النسيم والندي البهي الاتي من خلف طبقة رقيقة
شفافة من الضباب الصوت الهامس والمداعب كضوء الشمس في صباحات ريفية
ربيعية والطالع من زمان ومكان وذكريات وحنين واسى ومشاهد ولحظات عيش
شان الشعر الذي غنته من هروب الزمن والاعمار في حلم يقظة سعيد ومجروح
في وقت واحد الشعر الذي تغنى بمجد الشام وطبيعته الساحرة وسافر الى بلاد
الاندلس ليصور مفاتن قصورها وحدائقها ولياليها الحالمة الشعر الذي مجد دمشق
وتاريخها العربي مهد الحضارات القديمة ونهر بردى الحالم وسط المروج والروابي
والحامل لذكريات العهود الجميلة وملهم الشعراء صوت فيروز من هذا النهر الذي
يروي مساحات الشام . ان المتتبع للمسار الغنائي لفيروز يعجز عن ادراك السر الذي
يكمن وراء ذلك السيل من اغانيها التي تناولت فيه مجد الشام ولؤلؤته دمشق ويحار
في هذه العلاقة الحميمية التي ضلت تربط فيروز بسوريا انه لغز بلاد الشام الذي
يعني سوريا لبنان وفلسطين .
مسألة اخرى تستحق الاعجاب هي ان فيروز ضلت متمسكة مع الاخوان الرحباني
بعدم الغناء أمام شخصيات ورؤساء وملوك عرب فقد رفضت الغناء أمام الرئيس
التونسي لحبيب بوقيبة الذي منع طوال سنتين اداعة أغانيها من راديو تونس كما
رفضت الغناء أمام الملوك والرؤساء العرب في مؤتمر عربي في القاهرة وامتنعت
في بداياتها عن الغناء أمام شاه ايران سنة 1957 احتفالا بزيارته لبيروت مما اغضب
آنذاك رئيس لبنان كميل شمعون .
ستضل فيروز سفيرة لبنان الى النجوم وسيضل لها كل الاجلال والهيبة .

إقرأ أيضاً

التعليقات

Leave a Reply